من فرانكفورت الى باريس: القضية الاهوازية على جدول اعمال المؤسسات الاوروبية

يوسف عزيزي

القدس 24Frankfurt 1 009 سبتمبر 2012

قدمت محاضرتين خلال الشهر الجاري: الاولى في جامعة غوته بمدينة فرانكفورت في الاول من ايلول (سبتمبر) والثانية في البرلمان الفرنسي في باريس بتاريخ 14 من الشهر نفسه. وكانت الكلمتان حول الشعب العربي الاهوازي وما يعانيه من اضطهاد قومي وتمييز عرقي على ارض آبائه واجداده في إقليم عربستان الواقع في جنوب غرب ايران.دعوتي للسفر الى المانيا جاءت من فصيل يساري ايراني يتعاطف مع الشعوب غير الفارسية بما فيها الشعب العربي في ايران. تعد الحركة اليسارية في ايران تاريخيا من الداعمين لحقوق الشعوب غير الفارسية في ايران. اذ كان اول من شدد على وصف ايران بانها بلد “متعدد القوميات” هم اليساريون الايرانيون. الامر الذي يرفضه القوميون بمن فيهم منتسبو الجبهة الوطنية (جبهه ملي) التي اسسها الزعيم الراحل محمد مصدق ويؤكدون ان ايران شعب واحد وليس شعوباً. غير ان هدايت سلطان زاده القيادي في الحركة الفدرالية – الديمقراطية لإذربيجان ايران واحد المحاضرين في ندوة البرلمان الفرنسي نسف هذا الوصف قائلا بانه لا توجد اساسا امة ايرانية (ملت ايران بالفارسية) بل هناك شعوب ايرانية.في جامعة فرانكفورت تحدثت بتفصيل اكثر بسبب الوقت الكافي وباللغة الفارسية لان معظم الحاضرين في الندوة كانوا من الايرانيين، لكن في باريس تحدثت بالانجليزية كي تصل الرسالة الى الفرنسيين والاوروبيين من دون نقص ينجم عن الترجمة. وفي الحقيقة نص الكلمتين كان مشابها نوعا ما. فلذا اركز هنا على ما جرى في ندوة البرلمان الفرنسي التي عُقدت تحت عنوان اصلي هو “ايران في عصر حركات الاحتجاج العربية” وعنوان فرعي هو “قضية الشعوب غير الفارسية في ايران”.

 القوميات غير الفارسية: تحديات ايران المقبلةاول المتحدثين في البرلمان الفرنسي كان بوريا امير شاهي عضو هذا البرلمان والسكرتير الاول لجمعية حقوق الانسان في الحزب الاشتراكي الفرنسي مؤكدا ان وضع التطورات الراهنة في العالم العربي اكثر تعقيدا مما تعكسه وسائل الاعلام.واضاف اميرشاهي وهو فرنسي من اصل ايراني: “تُعد الحركة الخضراء في ايران نقطة انطلاق للربيع العربي.. وعصرنا هو عصر عودة الجماهير الى ساحة العلاقات الدولية حيث علينا نحن التقدميين في اوروبا دعم هذه الحركات”.وقد ترأس المجموعة الاولى للندوة حميد بوزارسلان كبير باحثي معهد العلوم الاجتماعية في باريس وتحدث خلالها هاشم احمد زاده استاذ جامعة إكستر البريطانية، ونوري ياشيل يورد استاذ العلوم السياسية في جامعة انقرة، وجيل ريو، واصطفان دوانيه، والسيدة ماري لاديه كبار الباحثين في المركز الوطني للبحوث في فرنسا، وناقشوا تأثير الربيع العربي على الوضع الايراني وكذلك التحديات التي تواجهها ايران من قبل الاقليات القومية والاثنية.وقد تكلم جيل ريو بالتفصيل حول حراك القوى الاثنية او ما وصفه بـ”المحيط” وكذلك قوى “المركز” في ايران، مؤكدا ان “الحركة النسائية والحركات المدنية الاخرى في ايران وهنت خلال الاعوام الاخيرة، لكن الحركات الاثنية والقومية قد تعززت”. واضاف: “لم تلتحق المدن والمحافظات الواقعة في “المحيط” اي القوميات غير الفارسية بشكل جدي الى الحركة الخضراء في ايران” مؤكدا “ان الشعب الفارسي يشكل اقل من نصف السكان في ايران”. وكان موضوع المجموعة الثانية للندوة “قضية الشعوب غير الفارسية في ايران” اذ شاركت فيها انا الى جانب امين عام الحزب الديمقراطي لكردستان ايران مصطفى هجري وهدايت سلطان زاده من الحركة الفدرالية – الديمقراطية لإذربيجان ايران وناصر بوليدئي الامين العام لحزب الشعب في بلوشستان ايران وكريم عبديان من حزب التضامن الديمقراطي الاهوازي.ومصطفى هجري هو وريث الدكتور صادق شرفكندي الامين العام السابق للحزب الديمقراطي لكردستان ايران الذي قتلته السلطات الايرانية قبل عشرين عاما في مطعم “ميكونوس” في برلين، كما انها قتلت قبل ذلك الامين العام السابق للحزب عبدالرحمان قاسملو في العام 1989. وقد تحدث هؤلاء حول اوضاع القوميات الكردية والأذرية والعربية والبلوشية في ايران. واكد بعضهم انه في حال عدم حل مشكلة القوميات غير الفارسية في ايران ليس مستبعدا ان تتجه الامور في ايران نحو ما حدث في يوغسلافيا خلال التسعينات من القرن المنصرم.

Frankfurt 1 009“ماذا يريد العرب في ايران؟”هذا كان عنوان كلمتي في الندوة حيث عرضت صورة عن تاريخ الشعب العربي الاهوازي وابعاد الاضطهاد القومي الذي يعاني منه هذا الشعب في عربستان ايران. وقد جاء فيها: “ان مملكة عربستان المستقلة تأسست على يد محمد بن فلاح المشعشعي في العام 1424 لكنها فقدت استقلالها بعد هجوم الشاه اسماعيل الصفوي في القرن السادس عشر. اذ كان اقليم عربستان او الاهواز وحتى عام 1925 وخلال القرون الخمسة المنصرمة يتأرجح بين الاستقلال والحكم الذاتي المطلق في إطار ايران. ويذكّر هذا العام بنكبة الشعب الاهوازي الذي فقد سيادته القومية اثر سقوط الشيخ خزعل بن جابر اخر حاكم عربي للاقليم وهو منطلق لظاهرة عُرفت في ما بعد بالاضطهاد القومي للعرب في ايران. ويشمل هذا الاضطهاد، التمييز العرقي والاقتصادي والسياسي والثقافي واللغوي بحق العرب الاهوازيين. وشكلت مملكة عربستان احدى الممالك المحروسة في الامبراطورية القاجارية في ايران (اواخر القرن 18 حتى 1925) حيث قام الشاه رضا البهلوي بانقلاب ضد السلالة القاجارية مؤسسا لدولة ايران الشاهنشاهية. وقد غير اسم الاقليم الى “خوزستان” الفارسي، كما غير اسماء سائر المدن والاحياء والشوارع والقرى والامكنة الجغرافية، بل بلغ الامر حد ان المسؤولين في الجمهورية الاسلامية اخذوا منذ سنوات يمنعون العرب من تسمية ابنائهم باسماء عربية غير شيعية.وقد شهد النضال ضد الحكومة المركزية في طهران والذي لم ينقطع عبر العقود الثمانية الماضية، اشكالاً مختلفة منها العشائري والمدني والمسلح والسلمي، لكن لإسباب مختلفة لم يكتب له النجاح. اذ توجد هناك حاليا فصائل نضالية اهوازية بعضها يعتقد بالاستقلال والانفصال عن ايران والبعض الاخر يطالب بإقامة نظام فدرالي يضم اقاليم عربستان وكردستان وبلوشستان وأذربيجان وخراسان ومناطق قومية اخرى.وفي عام 1979 اي بعد قيام الثورة، قدم وفد من الشعب العربي الاهوازي – وانا كنت الناطق باسمه – طلباته في 12 مادة الى رئيس الحكومة الموقتة انذاك مهدي بازرغان في طهران، بما فيها الاعتراف بالقومية العربية في الدستور الايراني ومنح إقليم عربستان حكما ذاتيا في اطار ايران. غير انه بعد مرور شهر على ذلك، قام الجنرال احمد مدني محافظ الاقليم بايعاز من القيادة السياسية في طهران وقم بالهجوم المسلح على مكاتب المؤسسات الثقافية والسياسية العربية في مدينة المحمرة وسائر المدن العربية وقمع بذلك الحركة السلمية للشعب العربي الاهوازي. وقد ادى الامر الى قتل وجرح واعتقال المئات من العرب.وفي 15 نيسان (ابريل) 2005 شهدت مدن الاهواز، والحميدية، ومعشور، والحويزة وسائر المدن العربستانية انتفاضة الجماهير العربية على خطط حكومية ترمي الى تغيير النسيج السكاني لصالح غير العرب في الإقليم. وقد واجه النظام الايراني هذه الانتفاضة التي استمرت عدة ايام بالحديد والنار وقتل اكثر من 50 شخصا واعتقل المئات. ويحتفل الشعب العربي الاهوازي كل عام بذكرى هذه الانتفاضة الجماهيرية. وقد تأثر نضال الشعب العربي الاهوازي بالربيع العربي خلال العامين المنصرمين واخذ يتطور اكثر فاكثر، ما ادى بالسطات الايرانية الى ان تعدم العشرات من النشطاء العرب الاهوازيين وهو ما اثار احتجاج المنظمات المعنية بحقوق الانسان في الخارج. وبالرغم من ان النفط المستخرج من اقليم عربستان يشكل نحو 80 في المئة من ايرادات الحكومة الايرانية، فان الشعب العربي يعيش في ظروف مزرية وفقر مدقع يمكن فقط مقارنته بالفقر في افريقيا حسب الصحافيين الايرانيين انفسهم. كما ان هذا الشعب محروم من التعليم باللغة العربية في المرحلة الابتدائية ولا يسمح له باصدار اي صحيفة او مجلة باللغة العربية، ويتعرض بشكل شبه يومي الى خطاب عنصري معاد لكل ما هو عربي في وسائل الاعلام والصحف والكتب.. الخ.وقد صادرت السلطات الايرانية اكثر من 200 الف هكتار من اراضي القرويين العرب خلال العقدين الماضيين لإجتثاثهم من ارض ابائهم واجدادهم ليقطنوا مدن الصفيح على هامش المدن الكبرى وليتم تفريسهم.ويؤدي ما يعاني منه الشعب العربي الاهوازي من تمييز ولاتكافؤ الى تعميق الهوة بينه وبين السلطة المركزية في طهران. اذ من اجل ازالة التمييز وايجاد التكافؤ، ليس بين العرب والقومية المهيمنة فحسب، بل وبين هذه وجميع الشعوب غير الفارسية لا بد من كسر المركزية الحديدية في طهران وتوزيع السلطة والثروة على مستوى الشعوب والاقاليم في ايران. وفي الحقيقة ان التنمية الاقتصادية والثقافية في ايران حاليا هي لصالح المركز (اي طهران والمدن الفارسية في وسط ايران) وعلى حساب تخلف “المحيط” اي مناطق القوميات غير الفارسية. ولا يمكن اقامة نظام ديمقراطي حقيقي في البلاد من دون منح القوميات غير الفارسية حقوقها، لان الديمقراطية تتناقض والتمييز بكل اشكاله. وسوف يمحو النظام الفدرالي، الذي يجب ان يقام على اساس جغرافي – قومي، اللاتكافؤ المذكور انفا. ويمكن في هذا المجال، الاستفادة من التجربة التاريخية للـ”ممالك” المحروسة التي كانت قائمة قبل تسعة عقود في ايران. كما يجب ادراج مادة في اي دستور ايراني مقبل تحظر العنصرية ومعاداة العرب في ايران.

جديد الموقع

المعارضة الإيرانية والخيارات الثلاثة


الصراع بين روحاني وخامنئي إلى أين؟


ظاهرتان بارزتان لعيد الفطر في عربستان


كاتب أهوازي: الشارع الإيراني لم يقتنع بحجة محاربة داعش


موقف الأقليات والقوميات غير الفارسية من الانتخابات الإيرانية


فيسبوك

تويتر

ألبوم الصور