اليسار و طلائع الحركة العمالية في ايران

يوسف عزيزي
الحوار المتمدن-العدد: 821 – 2004 / 5 / 1
Left
يتحدث المؤرخون الايرانيون عن داعية اسمه / مزدك/ انتفض
و رفاقه ضد الكسرى انوشروان الساساني ( المتوفي 579 م ) غيران الانتفاضة فشلت و قتل الكسرى ، مزدك و علق جثته المحشوة بالغش في احدى شوارع المدائن – عاصمة الساسانيين انذاك- لانه طالب باشتراكية المال و المرأة. ويعتبر هؤلاء المؤرخون، حركة
/ مزدك/ اول حركة اشتراكية في هذه البقعة من العالم و يحلو لبعضهم ان يرى بعض القواسم المشتركة بينها و بين حركة اسبارتاكوس في روما.
وقد تجلت سمات من الحركة المزدكية في الحركة الخرمدينية (المحمرة) بقيادة بابك الخرمدين في منطقة اذربيجان الايرانية في القرن الثالث والرابع الهجريين.
غير ان الحركة الاشتراكية و العمالية و اليسار بمفهومه الحديث لم يظهرفي ايران الا بانبثاق الطبقة العاملة على خلفية تاسيس المعامل
و المصانع والمصافي اولا في مدينة تبريز/ شمال/ و ثانيا في طهران و من ثم في عبادان و الاهواز/ جنوب/.
وقد هبت على ايران نسائم الحركة الاشتراكية – الديمقراطية
و الشيوعية اول ما هبت من روسيا التي كانت تخوض مخاضا ثوريا اشتراكيا في اواخر القرن التاسع عشر و اوائل القرن العشرين.
و كانتت الثورة الروسية في 1905 حافزا للايرانيين للقيام بثورة الدستور (1906- 1908). وقد تأسس الحزب الشيوعي الايراني
( حزب كمونيست ايران) بايعاز من الكومينترن في العام 1921 في مدينة انزلي / شمال/.
وقام الدكتاتور الشاه رضا البهلوي (1925- 1941) بالقضاء على معظم انجازات الثورة الدستورية في ايران مثل حرية الانتخابات والاحزاب و الصحافة. اذ اختفت الحركة اليسارية و العمالية في عهده و كان مصير النشطاء الشيوعيين و الاشتراكيين، السجون و القتل بابر الهواء.
وقد انتعشت الحركة العمالية و اليسارية بعد سقوط الشاه رضا حيث شهدت ايران فترة من الديمقراطية نشطت خلالها الحركة الوطنية
( التي قادها مصدق فيما بعد) و الحركة الشيوعية التي تجلت في نشاط حزب تودة ( وريث الحزب الشيوعي الايراني) وحركة القوميات الايرانية التي تبلورت بظهور سلطة الحكم الذاتي في اذربيجان وجمهورية مهاباد في كردستان ايران. وقد بذل حزب تودة جهودا مضنية لتنظيم الطبقة العاملة وسائر الشرائح الاجتماعية التي كان يراها مضطهدة في المجتمع الايراني و منها الشعوب الايرانية غير الفارسية.
و قد ظهر حزب تودة في تلك الاونة ( 1941- 1953) كاكبر حزب ايراني سياسيا و تنظيميا و كان له تاثير ملموس على المثقفين والسياسيين؛ وشارك بثلاثة حقب وزارية في حكومة قوام السلطنة في عام 1946.
و بلغت قوة الحزب حدا حيث كان، على سبيل المثال، يستطيع ان يقصي محافظ اقليم صناعي وعمالي مهم كاقليم خوزستان /الاهواز/ عن منصبه و ذلك اثر اضراب العمال هناك في عام 1946.
و انتهت تلك الفترة الذهبية من حياة الحركة الوطنية الديمقراطية في ايران اثر الانقلاب الذي قام به الشاه محمدرضا البهلوي على رئيس الوزراء وزعيم الحركة الوطنية محمد مصدق و ذلك بمساعدة وكالتي الاستخبارات الامريكية و البريطانية.
ولم يستطع اليسارالايراني ان يتنفس الصعداء الا من خلال الانفتاح الجزئي في الاجواء السياسية التي شهدتها ايران في اوائل الستينات من القرن العشرين وذلك في اطار الحركة الوطنية وليس بشكل تنظيم مستقل. وقد شهدت ايران في هذه الاونة انبثاق الحركة الاسلامية بقيادة اية الله الخميني حيث اخذ الخطاب الاسلامي يطرح نفسه كمنافس قوي للخطاب اليساري و القومي و الملكي في ايران.
وقد حاول الشاه محمدرضا البهلوي منذ قمعه الدموي للانتفاضة الجماهيرية التي قادها اية الله الخميني في العام 1963 حاول ان يحكم البلاد بيد من حديد حيث اخذت القوى الشيوعية و اليسارية الجديدة تتجه صوب العمل السري المسلح وحرب العصابات. وقد ظهرت فصائل يسارية مثل منظمة فدائيي الشعب من رحم حزب توده و التي بدات تنتقد ما تصفه باسلوب الحزب التساومي ازاء حكم الشاه. لكن الحركة الشيوعية و اليسارية المسلحة و رغم تضحياتها الجسيمة في نضالها ضد حكم الشاه الاستبدادي لم تتمكن من تنظيم و تعبئة الشرائح الاجتماعية المختلفة – بما فيها العمال – وذلك بسبب حياتها السرية القاسية واعتقال واعدام زعماءها. الامر الذي افسح المجال لاية الله الخميني و رجال الدين الموالين له كي يتزعموا الحركة السياسية المعارضة لحكم الشاه محمدرضا البهلوي و التي ادت الى سقوطه في ثورة فبراير 1979. وكان الخميني يرفض رفضا باتا من منفاه في النجف اي عمل مسلح من اي جهة كانت. ولاننسى ان جهاز الامن الشاهنشاهي المتمثل ب”السافاك” كان يركز في عملياته القمعية اولا وقبل كل شيء على اليساروالشيوعيين؛ اذ كان الشاه يرى الخطر الرئيسي من الشيوعيين بسبب وجود الاتحاد السوفيتي في شمال ايران والاجواء الدولية السائدة انذاك؛ وقد اهمل نوعا ما الخطر الاسلامي الناهض.
وكان للاضرابات العمالية دورا اساسيا في اسقاط النظام الشاهنشاهي حيث اطلق عمال النفط باضرابهم في شتاء 1979 رصاصة الرحمة على النظام السابق. والانكى في الامر ان العمال كانوا يمتثلون لنداءات القيادة الاسلامية للثورة و ليس للقوى و الاحزاب اليسارية.
الثورة الاسلامية و اليسار الايراني
لم يدم شهر العسل بين الحركة الاسلامية المهيمنة على مقاليد الامور عقب قيام الثورة و القوى القومية كحركة حرية ايران و الجبهة الوطنية الا بضعة اشهر حيث خرج هؤلاء من السلطة و تحولوا الى معارضة سياسية ؛ ناهيك عن الشيوعيين و اليسار العلماني الذي كان اساسا يعارض استئثار رجال الدين للسلطة. وفيما كانت بعض الفصائل اليسارية كمنظمة فدائيي الشعب و حزب تودة تساند الحكم الاسلامي الوليد بحجة معاداته للامبريالية الامريكية كانت القوى الشيوعية المتطرفة تدعو الى العمل المسلح للاطاحة بالنظام الاسلامي الوليد.
وقد تعاظم نفوذ اليسار و الشيوعيين بين المثقفين و في الجامعات الايرانية في السنوات الاولى للثورة مما حدا بالسلطة ان تقود حركة واسعة ودامية لاغلاق الجامعات لمدة عامين تقريبا وصفتها بالثورة الثقافية.
وقد ادت عدة عوامل الى انفجار الوضع في عام 1981 و اشتعال حرب شبه اهلية حيث قامت الحكومة الثورية الاسلامية بقمع الفصائل اليسارية و الشيوعية. فمنذ ذلك الحين اي بعد هروب القيادات اليسارية الى الخارج، لايوجد اي تنظيم شيوعي او يساري علماني في البلاد.
وقد ظهرت بعد انتهاء الحرب العراقية – الايرانية و في خضم الصراع بين التيارات الاسلامية في عهد الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني، تيار يوصف باليسار الاسلامي. وهذا التيار الذي كان متاثرا بالخطاب الشيوعي وخاصة خطاب حزب تودة كان يدعم الاقتصاد القائم عل القطاع الحكومي والتعاوني و يعارض هيمنة تجار البازار و الراسمالية التجارية المتمثلة باليمين الديني على السلطة الاسلامية في ايران.
وقد تحولت معظم اطياف اليسار الاسلامي الى اصلاحيين بعد ان فاز خاتمي في الانتخابات الرئاسية عام 1997. اذ يضم هذا التيار الاصلاحي اليساري الاسلامي، عدة احزاب و مجموعات اهمها حزب جبهة المشاركة لايران الاسلامية والذي يمكن ان نصفه بالحزب الاشتراكي – الديمقراطي اي اليسار الوسط اسوة بالاحزاب المماثلة في الغرب ويتزعم الحزب حاليا محمدرضا خاتمي شقيق الرئيس خاتمي. ضف الى ذلك منظمة مجاهدي الثورة الاسلامية التي يمكن ان نصفها باليسار الاسلامي وهي اكثر يسارية من حزب المشاركة
و تضم في صفوفها المناضل المخضرم و النائب في البرلمان بهزاد نبوي و المفكر الديني هاشم آغاجري و المنظر السياسي سعيد حجاريان. ولاننسى جمعية رجال الدين المناضلين / روحانيون/ التي تضم في صفوفها الرئيس محمد خاتمي و رئيس البرلمان مهدي كروبي وهي جمعية يسارية دينية تقليدية.
واما اليسار العلماني و الشيوعي ليس له حضور سياسي او تنظيمي في الداخل بعد القمع الذي واجهه في اوائل الثمانينات، غيران تاثيره الثقافي و الاجتماعي لايزال محسوسا على الساحة الايرانية.
وتحاول فئات من هذا التيارفي الخارج ان تتحالف مع سائر الاحزاب المعارضة في كتل سياسية مثل اتحاد الجمهوريين او اتحاد الجمهوريين الديمقراطيين.
وقد نبذت بعض الاحزاب الشيوعية سابقا كمنظمة فدائيي الشعب
( الاغلبية)، ايديولوجية الماركسية اللينينة و تحولت الى منظمة اشتراكية – ديمقراطية علمانية. وقد شهدت هذه المنظمة و حزب توده في المنفى عدة انشقاقات ادت الى اضعافهما اكثر فاكثر. فهناك مجموعات شيوعية صغيرة لاتزال تتمسك بالماركسية اللينينية الراديكالية كالحزب الشيوعي – العمالي الايراني و منظمة طريق العامل.
وترتبط هذه الاحزاب و القوى بالداخل بواسطة وسائل الاعلام الحديثة و خاصة الانترنت غير ان نفوذها بين الجماهير يبقى محدود جدا. ولا تشعر الحكومة الايرانية بخطر كبير من القوى اليسارية في الخارج بعد انهيار الاتحاد السوفيتي و المعسكر الاشتراكي في العالم.
وتامل الاحزاب اليسارية في المنفى ان تنفتح الاجواء السياسية في ايران لتعود الى ارض الوطن كي تعيد نشاطها السياسي مثل الحزب الشيوعي و سائر القوى اليسارية في العراق او كما تعمل الاحزاب الشيوعية في لبنان او المغرب او سورية. انتهت

جديد الموقع

مقابلة مع قناة العربي حول الحرب الكلاميةبين إيران والولايات المتحدةلمتحدة


الحراك المعارض للنظام الإيراني، ثقله وتأثيره


تحليل يوسف عزيزي على شاشة التلفزيون العربي- تأثير غياب رفسنجاني عن التيار الإصلاحي


” الشعوب غير الفارسية .. معاناة مستمرة وحقوق مسلوبة”


المعارضة الإيرانية والخيارات الثلاثة


فيسبوك

تويتر

ألبوم الصور