كيف حركنا لشكرآباد عشية الثورة؟

ساحة حي النهضة
يوسف عزيزي
يوم امس التقيت احد الاصدقاء الأهوازيين في احد شوارع لندن وتذكرت جدته ووالده واعمامه الذين عشت معهم في اواخر الستينيات بحي رفيش (لشكرآباد). فاعاد هذا اللقاء الى ذهني، ذكريات تربطني باحد اعمامه وتتعلق بايام واشهر سبقت قيام الثورة في فبراير 1979 (22 بهمن 1357). في يوم 7/9/1978 (16 شهريور 57 ش) اعلن نظام الشاه، حالة الطوارئ في العاصمة طهران و 11 مدينة كبرى في إيران، منها مدينة الاهواز عقب الاضطرابات التي شهدتها طهران وتلك المدن. كنت مدرسا في ثانويات الاهواز التي كانت معطلة اثر الاضراب العام للمعلمين والمدرسين منذ اليوم الاول لإفتتاح المدارس في 23/9/1978 (اول مهر 57 ش) وكنت اسكن مع عدد من الاصدقاء بما فيهم شاب من البسيتين اسمه عبدالرضا سعيدي والراحل رعد الدعير الشرهاني في بيت إيجار في حي رفيش (لشكرآباد) وبالدقة في منطقة ال ”راهنمائي“. فلم اعرف حاليا مصير عبدالرضا سعيدي، الذي كان قوميا يساريا، غير انه ترك العمل السياسي مبكرا جدا. غير ان رعد الدعير ذهب الى الخفاجية بعد قيام الثورة واصبح عضوا في اللجان الثورية الاسلامية (كميته هاي انقلاب اسلامي) حيث انقطعت علاقتي معه بعد ذلك، لكني سمعت انه هاجر الى العراق في مطلع الحرب العراقية – الايرانية.
كان الصديق الشاعر ابوسعيد الجرفي يمر علينا بين الحين والاخر، خاصة وان بيت عمه – ابو زوجته – كان يقع قريبا لبيتنا في نفس المنطقة. وقد تزوج قبل الثورة اي قبلنا بعامين او ثلاث؛ رغم انه اقل سنا منا. في حالة الطوارئ وفرض الاحكام العرفية (حكومت نظامي) يحق لافراد العسكر الذين كانوا يجوبون شوارع الاهواز ان يطلقوا النار على اي شخص يظهر بعد الساعة التاسعة مساءا. ولم نكن نحن بعيدين عن الساحة الكبرى في الحي (فلكة لشكرآباد الرئيسية) التي كان يتمركز فيها العسكر.
قبل ان اتطرق الى بعض ما قمنا به عشية الثورة يجب ان اشير الى حادث قمنا بها انا وابوسعيد في العام 1976 اي عامين قبل قيام الثورة. فقد كان شعار قديم كتبه احد العنصريين الفرس منذ سنوات على جدار مدرسة الغزالي الواقعة على الطريق الرئيسي الممتد من الامنية الى لشكرآباد وكمبلو يقض مضاجعنا. الشعار یقول: ”یهود، عرب را شکست داد“ ويبدو انه يشير الى ماحدث في الحرب الاسرائيلية – العربية في العام 1973 . فرغم مرور السنوات لم يتجرأ احد على محوه، خاصة وانه قريب لحي لشكرآباد. فقد اقترحت على ابوسعيد ان نمحي الشعار رغم ان سلطة الشاه كانت لاتزال قوية وامنه – السافاك – يثير الرعب في قلوب الناس. فقد احضرت صبغ اسود وتحركت ليلا مع ابوسعيد لمحو الشعار المعادي للعرب.ابوسعيد كان يحمل خنجرا؛ ولم اعرف لماذا كان يحمله، لان لاحيلة للخنجر امام هراوة او رصاص الشرطة اذا كشفتنا. لكن العملية تمت بسلام وعدنا الى قواعدنا – اي بيتنا في شارع بيشاهنكي – سالمين.
اواخر صيف 1978 اي نحو 6 اشهر قبل قيام الثورة وعند اعلان حالة الطوارئ في الاهواز كنا نغامر ونذهب في ظلام الليل الى الشوارع والازقة في لشكرآباد لكتابة الشعارات المعادية لنظام الشاه. في كل مهمة ليلية كان يرافقني احد الاخوة، إما عبدالرضا وإما رعد الدعير وإما ابوسعيد. ومن الشعارات التي كتبناها بالصبغ (المعروف ب اسبري انذاك) كانت ”مرك بر شاه“ و“مرك بر امبرياليسم“، ”درود بر خلق عرب“ و.. اغلبها في شارع ”انوشه“ و“ابومسلم“. ولو اصابتنا رصاصة من الجنود والخفر الذي كان يجوب الشوارع انذاك لضاعت دماءنا هدرا لانه حتى بعد قيام الثورة – التي لم نكن نعلم متى تنتصر على نظام الشاه – لما اعتبرونا شهداء. اذ كانت لنا مسافة من خطاب الخميني قبل وبعد الثورة.
ذات يوم جاءني ابوسعيد غاضبا وعندما سألته عن سبب حنقه قال لي ان هناك اشاعة تدور بين الناس في الاحياء المنتفضة في شرق الاهواز تقول انه يجب توزيع صدريات ”كُرستات“ في لشكرآباد لان اهلها لم يلتحقوا بالحراك الثوري. صدمنا هذا الكلام، لان معظم سكان رفيش (لشكرآباد) هم عرب وكان الحي يعتبر بؤرة للقومية العربية. اذ قررنا – كشباب عرب متحمسين – ان نشعل فتيلة الثورة في هذا الحي الذي لم يتحرك حتى شهرين او ثلاثة اشهر قبل قيام الثورة. اخترنا احدى الليالي وقررنا ان ننطلق من شارع ابومسلم ونجوب بعض الشوارع الضيقة – التي يعرف بها لشكرآباد – حتى نصل الى الساحة الكبيرة، ساحة مسجد الجامع. سمعت من اصدقائي في الضفة الشرقية ان هناك محل يؤجر مكبرات الصوت في شارع بهلوي الشرقي. ذهبت اليه وطلبت مكبرة صوت يدوية. فقد كانت كل المكبرات اليدوية مستأجرة من قبل الاخرين، فاضطررت ان استأجر مكبرة صوت كبيرة مثل تلك التي تلصق على الجدران. فقد حملتها في كيس وعدت الى لشكرآباد. حضرنا مساءا نحن المبادرون: انا (والمكبرة معي) وابوسعيد وعبدالزهرا مهاوي (ابوسعد فيما بعد) ورزاق الحجي زوير النيسي الذي لم يتجاوز عمره 16 عاما آنئذ. فقد كسرنا الاجواء الراكدة في الحي، والتحق بنا لفيف من الشباب العربي ولاول مرة اطلقنا هتافات باللغة العربية في شوارع لشكرآباد. فقد خرجت بعض النساء تزغرد وبعض الرجال تشجع. لكن الوحيد الذي عارضنا هو الشيخ محمد الكرمي الذي كان يخطب تلك الليلة في مسجد في شارع ابومسلم. وقد كرر دعمه المبطن لنظام الشاه وهجومه على الفلسطينيين، كما فعل قبل ايام في مسجد عامري وهو اقدم مسجد بالاهواز. اذ كان محبا للشاه الذي اهداه اراضي في الحويزة غير انه ركب الموجة بسبب نشاط شقيقه عبدالهادي واصبح ثوريا قبل شهر من قيام الثورة اي بعد ايقن من حتمية سقوط الشاه. ويبدو ان تأخير لشكرآباد للالتحاق بالثورة يعود الى خطب محمد الكرمي المخدرة والمعارضة للثورة اولا وعدم الثقة بين العرب القاطنين في الحي بالخطاب الفارسي ثانيا. غيران انطلاق تلك المظاهرة لعب دورا هاما في كسر الجليد.
عند وصول المتظاهرين العرب الى الساحة الكبيرة (ساحة مسجد الجامع في لشكرآباد) اعلنت بالمكبرة، تغيير اسم الساحة والحي من لشكرآباد الى فلسطين. لكن بعد قيام الثورة، اطلقت السلطات الجديدة اسم ”نهضت آباد“ على هذا الحي، غير ان العرب يعرفونه باسم حي النهضة. فقد اصبحت قصيدة ”طالع لك يعدوي“ التي انشدها ابوسعيد لاول مرة في تلك المظاهرات، شعارا شعبيا لم تُنسى حيث وبعد نحو اربعين عاما رددناها في مظاهرات عيد العمال في لندن لعام 2016. وكان لعبدالزهراء مهاوي (ابوسعد) دورا بارزا في تلك المظاهرات التي اخترقت صمت لشكرآباد وفتحت الطريق لالتحاقه بركب ثورة الشعوب الايرانية. بعد ذلك وفي يوم 16/1/1979 (26 دي 57) قدم الحي عدة شهداء قربانا للثورة التي لم تنصف العرب ومشاركتهم الثورية، ليس في الاهواز فحسب بل وفي جميع مدن اقليم عربستان.
الان وعندما انظر الى تلك المسيرة النضالية ارى ان رزاق النيسي مات غريبا وهاربا من بطش النظام الاستبدادي الذي انبثق من تلك الثورة الشعبية، وابوسعيد رغم وجوده في الوطن لكنه غريب في وطنه محروم من حقوقه السياسية، وعبدالزهراء مهاوي قضى 5 سنوات من شبابه في سجون الجمهورية الاسلامية في الثمانينيات من القرن الماضي اثر نضاله من اجل حقوق شعبه المغتصبة وهو ضرير يقيم في بيت إيجار في حي الزهور، فيما يُعد شقيقه مولا مهاوي من المؤسسين الاوئل لحي الدائرة في اواخر الستينيات من القرن المنصرم. وانا ايضا فقدت كل مااملكه ومااحبه في وطني لنفس الاسباب ولو بطرق مختلفة. لكن الامل هو في الجيل الصاعد الذي لم ينكس العلم الذي رفعته الاجيال السابقة.
نُشر على الفيسبوك في تاريخ 2/7/2016

جديد الموقع

Going to White House was a great honour until


Pros Cons of Instant Replay in Sports By Crai


Most paid sites will provide an array of info


I do believe that he spent a lot of days at f


Finally, the routine is put together and prac


فيسبوك

تويتر

ألبوم الصور