البازار والنظام الإيراني: جدلية الاقتصاد والسياسة

بازار
يوسف عزيزي
مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية
مدخل
“بازار” مفردة فارسية تعني السوق او بالاحرى السوق الكبير، وهومكان للبيع والشراء، غيران البازار تحول عبر القرون الى مؤسسة اقتصادية تقوم بدور توزيع السلع والمنتوجات على اطار واسع.
يُعد البازار في ايران، مؤسسة اقتصادية عريقة يعود نشأتها الى قبل الاسلام وبالتحديد الى عهد السلالة الساسانية، غير انها استقرت وتطورت بعد الاسلام من حيث العمارة والتجارة. وقد تضخم وتوسع هذا الدور بعد احتكاك ايران بالغرب ودخول الصناعات الحديثة الى البلاد. واصبح للبازار تاثير سياسي بارز في العصر الحديث. ويتكون البازار في المدن الايرانية العريقة من عدة داهليز مشقوفه، فيها عدة دكاكين يصفونها “حجره” بالفارسية، المأخوذة من الحجرة العربية.
فيمكننا الحديث عن مثلث يتوسط دائرة المدن الكبرى في إيران ويشكل مركزها وقلبها الاقتصادي والسياسي والديني النابض عبر التاريخ، وهو يتألف من 3 اضلاع: البازار، والجامع، والقلعة1. يرمز الاول الى الشعب ونشاطه الاقتصادي، والثاني الى السلطة الروحية ونشاطها الديني، والثالث الى السلطة الزمنية ونشاطها السياسي. وجغرافيا، تقع هذه الثلاث بالقرب من بعضها البعض كما نشاهد ذلك على سبيل المثال في العاصمة الإيرانية طهران حيث يقع البازار بالقرب من الجامع الكبير (مسجد شاه قبل الثورة ومسجد امام، بعدها)، وقلعة “ارك” ومن ثم قصر غولستان الذي حل مكان القلعة بالتدريج. فعلاوة على طهران، يوجد حاليا “بازار” او اسواق كبرى مركزية في كل من مدن اصفهان، وكاشان، وكرمان، وتبريز، ويزد، وقزوين، وشيراز، وكرمانشاه، واراك، تتشابه في عمارتها القديمة التقليدية. ويلعب البازار في هذه المدن وعواصم الاقاليم الاخرى، نفس الدور السياسي الذي يلعبه طهران مع الفارق، ان لبازار طهران دورا اقتصاديا وسياسيا رئيسيا يتخطى جغرافية العاصمة الإيرانية.
فمنذ القرن 16 حتى القرن 18 ، كان لتحالف المؤسسة الدينية الشيعية والبلاط الملكي دور مهم في الهيمنة السياسية على العباد والبلاد، وذلك من خلال تعزيز ودعم حكم الشاهات في الامبراطورية الصفوية، لكن اخذ البازار يلعب دورا سياسيا بارزا الى جانب البلاط والمؤسسة الدينية خلال الإمبراطورية القاجارية، إثر رواج العلاقات الرأسمالية الوافدة من الغرب، وقد استمر الامر على ذلك المنوال حتى قيام الثورة الاسلامية في فبراير 1979 ، اذ تغيرت، خلال هذه الفترة التاريخية، التحالفات بين اضلاع مثلث البازار، والقصر، والمسجد. فلم يفقد البازار دوره السياسي الفاعل بعد الثورة، بل شهدت الساحة الاجتماعية فرزا جديدا للفئات والطبقات الاقتصادية بما فيها التجار واصحاب المحلات في البازار مما ادى الى اصطفافات سياسية مختلفة.
عندما نتحدث عن “البازار في إيران” نقصد بذلك مؤسسة البازار في إيران التي تضم الاسواق الكبرى في المدن الكبرى، مع التركيز على “بازار طهران” الذي له حصة الاسد في الاقتصاد الايراني وهذا ما يمنحه تاثيرا سياسيا اكبر على مستوى البلاد.
البازار: لاعب رئيسي على الساحة السياسية
في الحقيقة جلبت العلاقات الرأسمالية المنبثقة عن الصناعات الوافدة من اوروبا، رياحا هزت اركان المجتمع التقليدي في إيران وادت الى تغيير في تحالفات المثلث الآنف الذكر، حيث اخذ البازار يتحالف مع الجامع ضد القصر. وقد ادى هذا التحالف الى حركات شعبية احتجاجية ضد الحكم الفردي الاستبدادي لملوك القاجار، نشير هنا الى اهمها: نهضة “التنباك” في العام 1891 ، وثورة الدستور(1906 – 1908)، والحركة الوطنية لتأميم النفط في 1950 ، وانتفاضة 5 يونيو 1963، واخيرا الثورة الاسلامية في فبراير 1979. وقد انبثقت نهضة التنباك اساسا من البازار، وقام بها اصحاب المحال والتجار في بازار طهران؛ فيما شكل البازار العمود الفقري لثورة الدستورالتي شارك فيها رجال دين وفئات اجتماعية اخرى ضد الشاه ناصرالدين الفاجاري. كما دعم تجار البازار المؤيدين للزعيم الديني اية الله الكاشاني والزعيم الوطني محمد مصدق، الحركة الوطنية باعتبارهم جزءا اساسيا من البورجوازية الوطنية التي تختلف مصالحها مع البورجوازية التابعة للغرب في إيران. وكان دعم التجار والكسبة لإنتفاضة 5 يونيو 63 (15 خرداد) وللثورة الاسلامية التي قادهما اية الله روح الله الخميني مفصليا. فعلى سبيل المثال شكل هؤلاء صندوق خاص لدعم الصحفیین المضربین عن العمل فی الفترة بين 5 نوفمبر 1978 الى 6 يناير 1979 وهو اكبر اضراب شهدته الصحافة الايرانية في تاريخها2.
دور البازار في الثورة الاسلامية
يرى بعض الباحثين، ان البازار قبل قيام الثورة كان مؤسسة فاعلة ضمن المجتمع المدني الإيراني والتي استطاعت بفعل تحالفها مع مؤسسة رجال الدين ان تلعب دورا بارزا في تقييد النظام الملكي واسقاطه في نهاية المطاف3.
ويؤكد هؤلاء الباحثون انه “خلال فترة التحضير للثورة الاسلامية (1978 – 1979) قام تجار البازار ورجال الدين بتنظيم نحو ثلثي المظاهرات والمسيرات التي جابت شوارع المدن الإيرانية؛ كما انهم قاموا بتشكيل 45 لجنة دعم مالي توصف بلجان الرفاه (كميته هاي رفاه) لتأمين التكاليف المالية للحركة الثورية. وخلال هذه الفترة، سقط العديد من الذين ينتمون للفئات والطبقات الوسطى والدنيا من العاملين في البازار او من اعضاء عوائلهم”3. بالاحرى؛ انهم سقطوا بين قتيلا وجريح خلال المواجهات التي تمت خلال تلك الفترة بين الجيش الشاهنشاهي والمتظاهرين والمحتجين في الشوارع والمساجد والحارات.
بعد قيام الثورة
يقول الباحثان، د. حاضري، وفرمي : “ان العلاقة بين البازار والحكومة تغيرت بعد قيام الثورة.. اذ ولج التجار التقليديين من البازار الى المجتمع السياسي وتسلموا مناصب سياسية واقتصادية في الدولة وفقدوا بذلك سلطتهم في المجتمع المدني”3.
فعلاوة على كبار التجار في البازار، كمحسن رفيق دوست، وحبيب الله عسكراولادي، واسدالله عسكر اولادي، وسعيد اماني، ومحمد مهدي عبدخدائي الذين اصبحوا وزراء ونواب في البرلمان بعد قيام الثورة الاسلامية، ترأس بعضهم كتاجر الحديد حسين مهديان، صحيفة كيهان العريقة التي تُعد من اكبر المؤسسات الثقافية في إيران. وقاد رفيق دوست السيارة التي حملت اية الله الخميني من المطار الى مقبرة بهشت زهراء عند وصوله من باريس الى طهران قبل قيام الثورة بعشرة ايام.
فرغم انقسام مؤسسة البازار بعد قيام الثورة، الى معسكر سياسي، موالي للنظام وآخر مدني، غير موالي، غير ان هذا الانقسام لم يبرز بشكل جلي، الا بعد مرور اكثر من عقد من قيام الثورة، اي بعد ان وضعت الحرب العراقية – الإيرانية اوزارها في 1988، وبالدقة خلال عهد الرئيس الاسبق هاشمي رفسنجاني (89 – 1997).
اذ قامت حكومة رفسنجاني ذات الاتجاهات التحديثية المعروفة بالليبرالية الجديدة، باجراءات اقتصادية تتجاوز الاقتصاد الحربي الذي كان سائدا خلال فترة الحرب العراقية – الإيرانية (80 – 1988)؛ وسعت لتوسيع دور مؤسسات التوزيع التابعة للحكومة، ودشنت سلسلة متاجر حديثة “مولات” في العاصمة طهران وسائر المدن الكبرى والتي اثارت استياء التجار التقليديين، المتخندقون في “بازار” طهران، حيث قاموا بالعمل ضد العامل الرئيسي لهذه الاجراءات وهو غلامحسين كرباسجي رئيس بلدية طهران في الفترة 1989 – 1998، بل بادر رجال الدين المتشددين المتحالفين مع البازار والمهيمنين على السلطة القضائية، على محاكمة كرباسجي واعتقاله لمدة سنتين. فلم تشفع له اجراءاته الواسعة لتحديث مدينة طهران وتجميلها، بل ادت تلك المبادرات الاقتصادية وكذلك افتتاح بيوت الثقافة وتأسيس صحيفة همشهري الخارجة عن طاعة المرشد الاعلى آنئذ، ادت الى اعتقاله.
الحرس الثوري يكتسح الساحة وينافس البازار
رفسنجاني كان اول من فتح الباب امام قادة الحرس الثوري للولوج في الشؤون الاقتصادية خلال تصديه لرئاسة الجمهورية في إيران، وعندما اشتد عودهم اخذوا ينافسون الاخرين بما فيهم الحكومة في عهد الرئيس الاسبق محمد خاتمي (1997 – 2004).
في مايو 2004 حال قوات الحرس الثوري، دون افتتاح مطار الامام الخميني في طهران بواسطة الرئيس الاسبق محمد خاتمي، وذلك بواسطة مقاتلات فانتوم وميغ 29 تابعة لقوة الحرس الثوري الجوية حلقت في سماء المطار ومنعت اي طائرة إيرانية كانت، ام اجنبية من الهبوط في المطار. ويعود السبب بالظاهر الى احتجاج قوات الحرس الثوري على مشاركة شركة ” اي تاو” التركية في مشاريع بناء المطار، لكن في الواقع، كان الحرس الثوري يطالب بحصة الاسد في تدشين المطار. وقد كان لنشر خبر هذا الحادث، دويا في إيران والعالم. ووفقا لصحيفة “انقلاب اسلامي” – الثورة الاسلامية – التابعة للرئيس الاسبق ابوالحسن بني صدر، ان احمدي نجاد رئيس بلدية طهران الذي كان جنرالا في الحرس الثوري الإيراني، اخذ يمنح خلال رئاسته لامانة العاصمة (2002 – 2005)، التسهيلات للشركات التابعة للحرس الثوري في طهران، خاصة لمجموعتي “خاتم الانبياء” و” خاتم الاوصياء”4.
وقد استمر زحف العسكر على الساحة الاقتصادية، اذ حاول ومن اجل تضمين توسع نشاطاته في هذا المجال، ان يهمين ايضا على الساحة السياسية بما فيها البرلمان ورئاسة الجمهورية، حيث بلغ عدد عناصره نحو 70 – 80 نائبا في الدورة السابعة للبرلمان الإيراني (2004 – 2008)5. كما وعندما تسلم محمود احمدي نجاد منصب رئاسة الجمهورية، اخذ تدخل الحرس الثوري والمافيات العسكرية – المالية في الاقتصاد الإيراني شكلا علنيا، وبلغ حدا، اعلنت من خلاله الحكومة ان قوات الحرس الثوري والبسيج (قوات التعبئة التابعة للحرس الثوري) تستطيع ايضا ان تتدخل وتشارك في الشؤون السياسية. ويناقض هذا، فرمانا اصدره مؤسس الجمهورية الاسلامية اية الله روح الله الخميني يمنع قوات الحرس الثوري بشكل خاص والعسكر بشكل عام من التدخل في الشؤون السياسية للبلاد.
وقد ادت تدخلات الحرس الثوري في الانتخابات الرئاسية الى انتخاب احمدي نجاد رئيسا للجمهورية في عامي 2005 و2009 وكذلك الى مشاركة عناصرها كمرشحين في الانتخابات البرلمانية وانتخابات مجالس البلدية. وشاهدنا خلال عهد احمدي نجاد (2005 – 2013) تصاعدا ملحوظا في عدد العناصر العسكرية، كنواب في البرلمان، ووزراء ونواب وزراء في الحكومة، ومحافظين في المحافظات واعضاء في المجالس البلدية. كما تضاعف حجم الميزانية العسكرية في عهد احمدي نجاد ضعف ما كانت عليه في عهد الرئيس الاسبق محمد خاتمي. وقد شملت المقاولات التي حصلت عليها الشركات التابعة للحرس الثوري، قطاع النفط والغاز ايضا، ومنحت الحكومة، مشاريع مربحة لهذه الشركات. وقد تم استبعاد القطاع الخاص – الضعيف اصلا في إيران – من معظم المشاريع النفطية والطرق والسكن. كما استثمر الحرس الثوري في مجال النشر والاعلام والصحافة، وهو يملك حاليا وكالتي “فارس” و”تسنيم” للانباء وعدة صحف ومجلات. كما انه استغل العقوبات الاقتصادية المفروضة على ايران ليوسع من دائرة استيراد السلع والبضائع المهربة، مما ادى بالرئيس السابق احمدي نجاد ان يصف قادة الحرس الثوري ب”الاخوة المهربين” بعد ان اختلف مع المرشد الاعلى علي خامنئي في العام 2010. كما وخلال حملة الانتخابات الرئاسية في العام 2005 اتهم المرشح للرئاسة انذاك مهدي كروبي، الحرس الثوري، بادارة موانئ سرية لتهريب السلع الى الداخل.
ويقول المحلل الاقتصادي الإيراني سعيد قاسمي نجاد ان “قوات الحرس الثوري مرت خلال العقود الثلاث الماضية بتطورات عديدة واقامت مجموعة عسكرية – اقتصادية معقدة، فلم يقتصر امرها على الاقتصاد العادي، بل طورت الاقتصاد السري وزادت من سيطرتها عليه؛ وتحولت خلال هذه العملية الى كارتل مافيائي. فلذا لاعجب اذا حاول فيلق القدس (ذراع العمليات الدولية للحرس الثوري) ان يستعين بالعصابات المكزيكية لتهريب المخدرات، في عملية إغتيال السفير السعودي في واشنطن في العام 2011 “5.
ويرى قاسمي نجاد ان “القوانین في إيران، هزيلة جدا، ولهذا السبب ينتعش الاقتصاد السري فيها؛ ويشكل الحرس الثوري احد اللاعبين الرئيسيين في هذا المجال، وهو مصدر دخل غير قابل للمراقبة وله اهمية خاصة لفهم طاقات الحرس وسلوكه”5.
ويخمن هذا المحلل الاقتصادي، قيمة الاقتصاد السري في ايران نحو 140 مليار دولار، و يؤكد ان ” نظرة عميقة لأنشطة الحرس الثوري تظهر انه يحصل على القسم الاعظم من منافع هذه التجارة غير الشرعية، وانه يُعد اكبر مهرب في البلاد”5. وبما ان الحرس الثوري يسيطر على الحدود البحرية والجوية والبرية لإيران فانه يسيطر على الموانئ والمطارات والطرق، ولايوجد اي مانع امام قادته لاستخدامها من اجل تهريب السلع والحصول على اموال هائلة.
طبقة صاعدة تنافس الطبقة التقليدية في البازار
منذ ان عززت الشركات التابعة لقوات الحرس الثوري رقعة نفوذها في الاقتصاد الإيراني ووسعت من دائرة نشاطها في هذا المجال، خلقت بذلك فئة من التجار وارباب العمل الذين ينتمون الى الجيل الجديد من المحافظين تختلف مصالحهم والمحافظون القدماء الذين يمثلون التجار التقليديين في البازار. فانا اصف هؤلاء بالبورجوازية البيروقراطية العسكرية لإنتمائها الى القادة الكبار في قوات الحرس الثوري الإيراني. ولاننسى ان النفط والغاز يشكلان الدماء التي تحرك شريان الاقتصاد الايراني بما فيه مؤسسة البازار.
وقد اخذ التجار التقليديين يشعرون بخطر منافسة البورجوازية العسكرية الصاعدة منذ العام 2008 واشتد التنافس والخصومة بين الفئتين بعد الانتفاضة الخضراء التي اندلعت في العام 2009 احتجاجا على ماوصفه المحتجون بتزوير نتائج الانتخابات الرئاسية في ذلك العام لصالح المرشح المتشدد والمدعوم من قبل الحرس الثوري محمود احمدي نجاد. اذ قمعت قوات الحرس الثوري والبسيج بقسوة تلك الانتفاضة السلمية بعد بضعة اشهر من اندلاعها، ووضعوا قادتها، اي المرشحون المغبونون، مهدي كروبي وميرحسين موسوي وكذلك زوجته، تحت الإقامة الجبرية والامر مستمر حتى اللحظة.
في الواقع شهدت اسواق (بازار) طهران واصفهان، خلال عامي 2009 و2010 اضرابات واغلاق المحلات التجارية بشكل متقطع، احتجاجا على فرض ضرائب اضافية على ايرادات التجار العاملين في البازار، بل واستمرت هذه الاضرابات – بين الحين والاخر – حتى العام 2012. وقد اتسعت الاضرابات في صيف 2010 لتشمل بازار تبريز عاصمة اقليم أذربيجان الواقع شمال غرب إيران. فقد ادت وطأة العقوبات وإنخفاض الايرادات النفطية ان تتجه حكومة احمدي نجاد الى مصادر محلية منها فرض ضرائب اكبر على التجار واصحاب المحلات في البازار. فلذا بعض المحللين عزى تلك الاضرابات الى دوافع اقتصادية، غير ان محللين اخرين عزوا ذلك الى تغيير الظروف السياسية والاقتصادية في البلاد بعد الاحداث الدامية التي شهدتها إيران عام 2009، وتعزيز هيمنة قوات الحرس الثوري على المؤسسات الاقتصادية الرئيسية في البلاد، مما ادى الى تزايد الاستياء في صفوف تجار البازار بشكل عام والناس بشكل خاص6.
وقد اكد هتاف ” اُترك سورية، وفكّر بحالنا” الذي ردده المحتجون في بازار طهران وبعض المدن الاخرى خلال اضراباتهم المتقطعة في الفترة 2009 – 2012 على الفجوة المتزايدة بين التجار التقليديين في البازار والتجار الجدد المنتمين الى البيروقراطية العسكرية في إيران.
وقد وصف النائب الاسبق لوزارة الداخلية الإيرانية والسجين الاصلاحي الحالي مصطفى تاج زاده، استياء تجار البازار واحتجاجاتهم ب “حركة البازار” مؤكدا “اننا نشهد ولادة حركة جديدة، نصفها بالحركة الاجتماعية والاقتصادية، ضد ما يقوم به العسكر من اجراءات تحط من العملة الإيرانية وكرامة الايرانيين الوطنية”7. ويشير تاج زاده بذلك الى تداعيات العقوبات الغربية والدولية التي كانت مفروضة على إيران منذ عهد الرئيس السابق احمدي نجاد وحتى اوائل العام 2016 والتي ادت الى إنخفاض سعر العملة الإيرانية وتدهور الاقتصاد الإيراني. كما انه يؤكد على الخصومة بين العسكر المتمثل بالحرس الثوري وفئات واسعة من تجار البازار.
ولاننسى ان للمتغيرات الاقليمية ايضا دورا في إضعاف مؤسسة البازار في إيران بما فيها الدور الرائد لميناء دبي في التجارة مع إيران وكذلك التأثير التجاري للمناطق الحرة في جزيرتي قشم (جسم) وكيش (قيس) على الاسواق الإيرانية.
يجب التأكيد هنا، ان مؤسسة البازار ليست متجانسة طبقيا بل تتألف من فئات مختلفة؛ اذ تختلف المصالح الاقتصادية والسياسية والمكانة الاجتماعية بين الفئات العليا اي التجار الكبار من جهة وبين الفئات الوسطى والدنيا من جهة اخرى. فقد ولج التجار الكبار الذين أمنوا ماليا، تكاليف الثورة الاسلامية خلال الاشهر التي سبقت قيامها في فبراير 1979، ولجوا الطبقة السياسية واصبحوا من اركان الحكم الجديد لكنهم وبدل الانتاج، ركزوا على استيراد السلع والبضائع وسيطروا على قطاع التوزيع. وقد استمرت هذه الحالة حتى ظهور الطبقة الجديدة التابعة للعسكر في الاعوام الاخيرة والتي اخذت تنافسهم في مجال الاستيراد والتوزيع. وتشعر الطبقة الوسطى والدنيا في البازار بانها قريبة من فئات الطبقة الوسطى المدينية في مجال مصالحها الاقتصادية ومكانتها الاجتماعية، بل – ولحد ما – في مجال تفكيرها السياسي. وقد عانت هذه الفئات من العقوبات ورحبت برفعها في العام الثاني من عهد الرئيس حسن روحاني. وقد اظهرت الانتخابات البرلمانية ومجلس الخبراء في فبراير 2016 التشرذم السياسي في صفوف المحافظين الذين يمثلون مؤسستي البازار ورجال الدين، والذين كانوا كتلة واحدة قبل ذلك. ويعود هذا التشرذم السياسي الى الفرز الطبقي الجديد الناجم عن الصعود الاقتصادي للفئات التابعة للعسكر ومنافستها للتجار واصحاب المحال في البازار في الاعوام المنصرمة.
وقد شاهدنا فوز الاصلاحيين والمعتدلين على المحافظين في تلك الانتخابات بسبب انقسام صفوف المحافظين الى مجموعات سياسية متخاصمة وهو انعكاس لتناحرها على المستوى الاقتصادي.
وسنشهد مرحلة جديدة بعد توقيع الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى في نوفمبر2015 وتسابق الشركات الكبرى من اجل الحصول على حصة من الاسواق الإيرانية. وفيما يحذر المنتفعين من الوضع الاقتصادي الحالي الذين يصفونه ب “اقتصاد المقاومة” من الانفتاح بوجه الشركات الاميركية ويرحبون بالشركات الاوروبية فقط، فان الفئات الاقتصادية المؤيدة لحكومة روحاني ترى مصالحها في فتح الاسواق الإيرانية بوجه كل الشركات الغربية بما فيها الاميركية. ويخشى مرشد الجمهورية الاسلامية علي خامنئي وقادة الحرس الثوري – المنتفعين مما يصفونه بالاقتصاد المقاوم – من التداعيات السياسية والثقافية للاستثمارات الغربية في إيران. انهم يحذرون دوما ازاء تسلل الثقافة الغربية – ومنها قضايا حقوق الانسان – وضمور الروح الثورية الاسلامية في المجتمع الإيراني. ومن المتوقع ان يخلق الانفتاح الاقتصادي بين إيران والعالم – اذا لم يواجه العراقيل – طبقة بورجوازية تابعة ستشمل فئات من تجار البازار المقربون من الحكومة المعتدلة الحالية.

1. د.احمد اشرف، كتاب “موانع رشد سرمايه دارى در ايران”، انتشارات زمينه .
2. حوار موقع “تاريخ ايراني” مع الصحفي المخضرم محمد حيدري.
3. د.علي محمد حاضري و مهدي حسين زاده فرمي: “نقش سياسى بازار: تحليل تحولات دهه اول جمهورى اسلامى ايران” دراسة منشورة في مجلة “دانش سياسى” السنة السابعة، العدد الاول.
4. صحيفة “انقلاب اسلامي” – الثورة الاسلامية – الصادرة في المنفى؛ دراسة مسلسلة تحت عنوان ” جريان تحول سپاه پاسداران به حزب سیاسي مسلح” نشرتها في اعدادها: 693-694-695-696-697-698
5. سعيد قاسمي نجاد، “چگونه سپاه پاسداران مانند مافیا بر بازار سیاه ایران حکومت می کند”. مقال منشور في موقع “تقاطع” بتاريخ 28/12/2015
6. حوار في موقع بي بي سي الفارسي مع خبيرين اقتصاديين إيرانيين، آزاده كيان وجمشيد اسدي، في 15/7/2010 تحت عنوان ” پژواک: اعتصاب در بازار تهران؛ معانی و پيامدهای احتمالی”.
7. مصطفی تاج زاده: “پیوند اعتراضات بازار و جنبش سبز” مقال منشور في موقع “كلمة” التابع للحركة الخضراء في إيران.

جديد الموقع

Going to White House was a great honour until


Pros Cons of Instant Replay in Sports By Crai


Most paid sites will provide an array of info


I do believe that he spent a lot of days at f


Finally, the routine is put together and prac


فيسبوك

تويتر

ألبوم الصور