الحركة القومية في عربستان: المكونات والمعوقات

Arbistan Map2يوسف عزيزي
توجد اقلية غير عربية في اقليم عربستان لها البأس والسلطة والقوة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؛ وتؤثر على مجرى الامور اكثر من غيرها، فلايشملها تصنيفي الآتي الذكر وسنسهب في امرها في مقال آخر.
وارجح هنا توصيف الحركة العربية الفاعلة في الاقليم، بالقومية اكثر من الوطنية، لسبب بسيط، هو ماهية الصراع الدائر بين الشعب العربي الأهوازي من جهة، والقوى المعادية لطموحاته وحقوقه القومية في إيران من جهة اخرى؛ وهو صراع قومي اساسا، بين هوية مهيمنة ومدعومة بالمال والسلاح والسجون، واخرى مغلوبة على امرها لاتمتلك، الا ارادة الحياة وتتطلع الى الحصول على حقوقها الانسانية والقومية. اي اننا يمكن ان نؤكد على الحركة الوطنية في العراق او مصر او الكويت والدول العربية المستقلة الاخرى، لكن أهم ميسم تتسم به حركة شعبنا العربي في اقليم عربستان، هو ميسمها القومي الذي يخوض كفاحا بكل اشكاله السياسية والثقافية والاجتماعية من اجل الوجود العربي المهدد من قبل القومية الفارسية المهيمنة.
وفي قرائتي للقوى السياسية المتواجدة على الساحة العربستانية في الداخل ارى الفئات الفاعلة التالية:
اولا، الشخصيات والمجموعات التابعة او المرتبطة بالسلطة؛ وقد تكون العلاقة بين هذه الفئة والسلطة، إما علاقة مباشرة مع الامن السياسي، او غير مباشرة معه، أي بواسطة جهات اخرى في السلطة السياسية في إيران؛ والحالة الاولى تُعد الاكثر رواجا في دولة امنية كأيران وفي حالة امنية خاصة مفروضة على الاقليم. وتعمل هذه الفئة بحرية نسبية وتم تشغيل عواملها في الدوائر السياسية والثقافية والاعلامية في الاهواز العاصمة والمدن الاخرى في الاقليم، وقد حصل البعض منها على امتيازات تجارية واقتصادية مربحة. ولاينحصر نشاط هؤلاء بين المثقفين والنخبة العربية فحسب، بل تشمل الشيوخ ورؤساء العشائر والعمال والطلاب وفئات اجتماعية اخرى. وقد اتخذت السلطات الإيرانية، إستراتيجية جديدة بعد انتفاضة نيسان 2005 يمكن وصفها بإستراتيجية الاحتواء التي تقوم على إستقطاب عدد اكبر من القوميين والناشطين وفتح المجال لهم بالنشاط الثقافي والاجتماعي كي تُظهرهم بمظهر قومي ووطني وترفع عنهم الشبهات. وقد دأبت السلطات الامنية في الجمهورية الاسلامية الإيرانية ومنذ السنوات الاولى من عمرها على تجنيد الشخصيات القومية والنشطاء السياسيين والمثقفين؛ بل وصل الامر حدا، انهم انتقوا البعض من بين الذين وفدوا من الخارج بعد قيام الثورة، اومن الذين كانوا ضمن الوفد الثلاثيني الذي زار طهران في الشهور الاولى بعد قيامها، اوعناصر نشطت على الساحة بعد ذلك، ليكونوا عوامل له في شتى المجالات. لكن بعد انتفاضة 2005 اتسع التجنيد وشمل الجيل الصاعد من بعض النشطاء. فلاشك ان هؤلاء الذين باعوا ضمائرهم لم يشكلوا الا القليل من النخبة العربية الأهوازية.
ثانيا، الشخصيات والمجموعات المرتبطة بالاحزاب السياسية الإيرانية؛ الاصلاحية منها والمحافظة. ولانتحدث عن البعض الاهوازي المؤيد للاحزاب اليسارية والشيوعية المعارضة التي ليس لها نشاط علني حاليا قياسا بالتيارات المنضوية تحت خيمة النظام الاسلامي في إيران. اذ ربطت بعض الشخصيات والمجموعات مصيرها بمصير التيارين الاصلاحي والمحافظ بشكل وثيق. وقد ساند التيار المحافظ دوما مرشحين متشددين لايشعرون بأي صلة بقوميتهم العربية، الا في الاعوام الاخيرة لأسباب مختلفة منها: اولا، خشية هذا التيار والداعمين له في قم وطهران من التطور الاعلامي والسياسي للحركة القومية الاهوازية في الخارج وتأثيرها على الداخل، وثانيا، خشية المؤسسة الدينية والمراجع الشيعية من تسنن فئات من الناشطين العرب في الاقليم، وثالثا، الانتشار الواسع للايديولوجية القومية الفارسية القائمة على العرق الآري والتاريخ قبل الاسلامي ليس بين المثقفين القوميين والعلمانيين الفرس فحسب، بل بين النخبة الدينية وبعض رجال الدين في الحوزات الدينية. وتتخوف عناصر اهوازية قريبة اساسا من مراجع دينية متشددة كمصباح يزدي وعلي خامنئي، من تصاعد نفوذ التيار القومي الفارسي في إيران. وقد قامت ببعض النشاطات الثقافية في الاهواز العاصمة للحصول على اصوات الجماهير العربية في انتخابات البرلمان ومجلس الخبراء، غير ان مرشحي هذا التيار فشل امام التيار الاصلاحي حتى اللحظة في الانتخابات التشريعية، لكنهم نجحوا في مجلس الخبراء بسبب ضيق الدائرة التنافسية وحذف العديد من المرشحين من قبل مجلس صيانة الدستور. ويستخدم التيارين المحافظ والاصلاحي، الريع الحكومي سياسيا في الترشح للانتخابات التشريعية بسبب منع الشخصيات القومية المستقلة واليسارية من الترشح. كما لم يرحم مقص مجلس صيانة الدستور، حتى المرشحين البارزين من التيار الاصلاحي في هذه الانتخابات التي جرت في فبراير/شباط 2016.
وقد لعب التيار العربي المنتمي للاصلاحيين، دورا مشهودا في الحركة القومية الاهوازية خلال فترة حكم الرئيس الاسبق محمد خاتمي (1997 – 2005) حيث هيمن على مجلس بلدية الاهواز في دورته الثانية (2002 -2006) وادخل مرشح عربي قومي الى البرلمان السادس عام 2000، غير انه التزم الصمت ازاء كل ما تعرض له الشعب العربي الاهوازي من قمع، بعد انتفاضة نيسان 2005، ولم يقم باي نشاط سياسي بل وثقافي حتى العام 2013، حيث تنفس الصعداء بعد وصول حسن روحاني الى سدة الرئاسة في ايران؛ وقد حصل على هامش من الحرية لينافس في الانتخابات الاخيرة،غريمه المحافظ في الاهواز وسائر مدن الاقليم. التيار الاصلاحي العربي في عربستان في الوقت الراهن، ليس كما كان في عهد خاتمي؛ اذ فقد الكثير من عناصره ومؤيديه، منهم من هاجر ومنهم من انتمى الى المحافظين لأسباب سياسية او مصالح مادية، غيرانه يبقى التيار الابرز بسبب ما قام به من خطوات ايجابية لصالح شعبه في عهد محمد خاتمي، وتحمله من قبل السلطة في الوقت الراهن. ويمكننا ان نعتبر هذا التيار، بانه وريث لمجموعة المركز الثقافي – الاسلامي في الاهواز الذي نشطت في اوائل الثورة.
ثالثا، القوى المستقلة؛ يضم هذا التيار، عناصر ومجموعات لاتريد ان تعمل تحت راية الاصلاحيين والمحافظين بل يؤمنون بعمل ثقافي واجتماعي وسياسي عربي مستقل، وهم ينفون العمل العسكري ويحبذون العمل الجماهيري. ويتركز نشاط هؤلاء بشكل رئيسي في الحقل الثقافي والمدني لسبب صعوبة العمل السياسي المستقل في الظروف السائدة حاليا في اقليم عربستان. اذ تتحسس السلطات الامنية ازاء هؤلاء رغم نبذهم للعنف ونشاطهم السلمي. وتعرقل السلطات الامنية الحاكمة في الاقليم، نشاط هذا التيار، ولم تمنحهم الرخص اللازمة للعمل المدني والثقافي والاجتماعي، بل ترجح ان تنشط عناصر تابعة لها في هذه المجالات. فلا يقتصر تحسس السلطات الإيرانية على العمل السياسي والثقافي الاهوازي المستقل بل يشمل النشاط الاقتصادي ايضا. وهذا ليس وليد اليوم والامس، حيث اتذكر ان مجموعة من مدراء عرب لشركات صغيرة حاولوا في عهد رفسنجاني (1989 – 1997) ان يجتمعوا ويشكلوا “تراست” خاص بهم، غير ان استخبارات الاهواز عارضت ذلك بشدة، رغم ان النشاط كان اقتصاديا بحتا. وتتعرض حاليا عناصر التيار الاهوازي المستقل لللاستدعاءات والمضايقات، بل وفي الاعوام السابقة، اُعتقل وعُذب البعض من المنتمين لهذا التيار. اذ تعرض المهندس غازي الحيدري ورفاقه للسجن والتعذيب بعد اعتقالهم في 2009، ليس لسبب الا وانهم اسسوا مركزا لدراسة التاريخ الاهوازي. ويبقى النشاط السلمي السياسي المستقل صعبا والثقافي والمدني منهم محفوف بالمخاطرحتى إشعار اخر، اي عندما تتمكن التيارات المستقلة من العمل العلني بعد نضوج الظروف الموضوعية في البلاد.
ويرث هذا التيار، الخطاب السلمي الجماهيري المستقل لمجموعات ثقافية مستقلة نشطت في اوائل الثورة، كمجموعة “الكفاح” والمراكز الثقافية القومية في الاهواز والمحمرة.
رابعا، التيارالمعتقد بالاستقلال والانفصال عن إيران؛ لايتمكن هذا التيار من النشاط العلني في عربستان، بل تعمل عناصره بالنشاط السري. وتلاحق الاجهزة الامنية اي حراك لعناصر هذا التيار باي شكل كان؛ ولا ترحم المجموعات التي تطالب باستقلال وتقوم باعمال عنف في الاقليم وتعاقبها بعقوبة الاعدام. وتنفذ هذا الحكم حتى على العناصر والمجموعات التي تكتشف عندها اسلحة ومواد متفجرة لكنها لم تقم باي عمل مسلح. مثلما حدث لزامل باوي الذي خبأ في محله، مواد متفجرة تسلمها من احد عوامل الامن. وتتهم السلطات الإيرانية احيانا، بعض المجموعات بالارتباط بدول عربية واجنبية، او عناصر ومجموعات عربستانية ناشطة في الخارج، لتتمكن من لصق اتهام الانفصال بها وتنفيذ حكم الاعدام ضدها وهو ماحدث لمجموعة الحوار، اذ نفذت السلطات الإيرانية حكم الاعدام ضد هاشم شعباني وهادي راشدي ليس لسبب، الا بعض المراسلات مع مواقع اهوازية خارج إيران.
وبسبب العمل السري والصعب للمجموعات المؤمنة بالعمل المسلح – إن وجدت في الداخل – وعدم استطاعتها القيام بنشاط علني واسع ومؤثر، فانها تبقى منعزلة عن جماهيرها.
وفي الختام يمكنني القول ان دائرة الحركة القومية في عربستان تمتد من اقصى اليسار الى اقصى اليمين، اي ان هذه الدائرة تتسع لكل الشخصيات والمجموعات والتيارات العربية في الاقليم، اي انها تضم في طياتها: المعتقدين بالمادة 15 من الدستور الايراني (التي تنص على ضرورة تعليم اللغات غير الفارسية في الابتدائية)، والذين لايرون الظروف مناسبة الا لحل فدرالي او حكم ذاتي في إطار إيران، وكذلك المؤمنون بالاستقلال باساليب سلمية وجماهيرية وايضا الذين يعتقدون بالكفاح المسلح طريقا للتحرير والاستقلال. لكن الوحيدين الذين لاتشملهم الحركة القومية في اقليم عربستان برأيي، هم عيون وآذان الاجهزة الامنية الذين يتغلغلون الى المجموعات السياسية والثقافية والمدنية بقصد التجسس عليها والتعرف على الشخصيات الناشطة في المجتمع العربستاني. وتجند هذه الاجهزة، عملائها وتُدخلهم الى المجموعات و الاجتماعات، وبين كل الاتجاهات السياسية في الداخل، لكن مكانهم الاخصب هو المجموعات المرتبطة بالقوى المحافظة والاصلاحية لانها لم تبال كثيرا بوجود هكذا عملاء بين صفوفها.
ويبدو ان الحد من تغلغل عناصر الاستخبارات من جهة، وتعزيز التيار القومي الفارسي في إيران من جهة اخرى، تستلزم من كل عناصر الحركة القومية في عربستان: اولا، توخى الحذر والحيطة من موظفي الامن الذين يتلبسون حسب الاجواء باشكال مختلفة: قومي، اصلاحي، تحرري، وفدرالي؛ ولاتواجه بعضها البعض بخطاب التخوين بل تستخدم لغة النقد لتصحيح الاخطاء. ثانيا ان تعاظم دور التيار القومي الفارسي وهجمته العنصرية ضد العرب في إيران تستلزم نوع من التماسك بين الاطياف السياسية المختلفة في الاقليم لمواجهة هذا الخطر الداهم.

ايلاف 30 مارس 2016

جديد الموقع

مقابلة مع قناة العربي حول الحرب الكلاميةبين إيران والولايات المتحدةلمتحدة


الحراك المعارض للنظام الإيراني، ثقله وتأثيره


تحليل يوسف عزيزي على شاشة التلفزيون العربي- تأثير غياب رفسنجاني عن التيار الإصلاحي


” الشعوب غير الفارسية .. معاناة مستمرة وحقوق مسلوبة”


المعارضة الإيرانية والخيارات الثلاثة


فيسبوك

تويتر

ألبوم الصور