مقابلتي مع صحيفة “الشرق الاوسط الديمقراطي” الصادرة في القامشلي بسورية

الرئيسية / حوارات / الكاتبُ والباحثُ الأحوازي يوسف عزيزي في حوار مع “الشرق الأوسط الديمقراطي”: معظم الشعوب التي تعاني من الاضطهاد القومي تتعرض بشكل أو آخر لعمليات إبادة من قبل الأنظمة الحاكمة المحتكرة للسلطة نيابة عن قومية واحدة مهيمنة

الكاتبُ والباحثُ الأحوازي يوسف عزيزي في حوار مع “الشرق الأوسط الديمقراطي”: معظم الشعوب التي تعاني من الاضطهاد القومي تتعرض بشكل أو آخر لعمليات إبادة من قبل الأنظمة الحاكمة المحتكرة للسلطة نيابة عن قومية واحدة مهيمنة

أجرى الحوار: دلشاد مراد

يوسف عزيزي – المعروف بـ بني طرف – من مواليد عام 1951 في مدينة الخفاجية (سوسنجرد) بإقليم عربستان (الأهواز). هو كاتب وباحث وصحفي عربي من إيران، ينتمي إلى القومية العربية الأهوازية التي تقطن جنوب غرب إيران.

يوسف عزيزي خريج كلية الإدارة التابعة لجامعة طهران، وعضو مؤسس لاتحادي الكتاب والصحفيين الإيرانيين، حيث تم انتخابه في تموز/ يوليو 2008م عضواً في هيئة إدارة اتحاد الكتاب الإيرانيين. كما أنه عضو فخري في رابطة القلم البريطانية (انجليش بن)، وعضو أصلي في رابطة الكتاب السوريين. فقد كان أول عربي أهوازي يُنتخب في هيئة إدارة اتحاد الكتاب الإيرانيين وأول عربي أهوازي يدخل رابطة القلم البريطانية، وهو  العضو الأهوازي الوحيد في رابطة الكتاب السوريين.

يعمل يوسف عزيزي في مجال الصحافة منذ ثلاثة عقود، وقد صدر له حتى الآن 25 كتاباً ومئات المقالات باللغتين الفارسية والعربية، وتشمل دراساته ومقالاته الشؤون السياسية والثقافية في إيران. وقد تُرجمت بعض آثاره إلى اللغات التركية والإنكليزية والإيطالية والألمانية.

وقد عمل مراسلاً ومحللاً للشؤون السياسية في صحيفة الزمان لمدة ثمان سنوات ( 1977 ـ 2004م)؛ ومحرر مقال أسبوعي في صحيفة الشرق القطرية لمدة أربع سنوات ( 2000 – 2004م)؛ ومحرر مقال أسبوعي في صحيفة الحياة لمدة عام ( 2004 – 2005م)؛ ومحرر مقال أسبوعي في صحيفة السفير اللبنانية لمدة عامين (2004 – 2005م)؛ ومراسل لصحيفة القبس الكويتية (2004 – 2009م)؛ ومراسل لموقع إيلاف لمدة عامين (2006– 2008م)؛ وكاتب ومترجم لمقال أسبوعي في صحيفة العرب القطرية لمدة عامين 2007 – 2008م.

علاوة على ذلك فهو يكتب في مجال القصة القصيرة والدراسات حول عرب الأهواز ويترجم الكتب الأدبية والفكرية من العربية إلى الفارسية.

وقد مثل يوسف عزيزي، الشعب العربي الأهوازي ضمن الوفد الثلاثيني الذي أوفده الزعيم الروحي لهذا الشعب، الراحل الشيخ محمد طاهر الشبير الخاقاني إلى طهران في أيار/ مايو 1979م، إذ كان متحدثاً باسم الوفد الذي التقى العديد من وسائل الإعلام الفارسية والدولية، ومسؤولي مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية وزعماء الثورة الإيرانية آنذاك، منهم آية الله محمود الطالقاني وآية الله الخميني وآية الله الكلبايكاني وأمير انتظام مساعد رئيس الحكومة المؤقتة مهدي بازرغان.

وقد اعتقلت السلطات الإيرانية يوسف عزيزي في 25 نيسان/ أبريل 2005 إثر انتقاده في وسائل الإعلام لقمع المظاهرات السلمية التي قامت بها الجماهير العربية الأهوازية في 15 من نفس الشهر. وقد تعرض في إحدى السجون السرية في مدينة الأهواز لعمليات تعذيب نفسية ممنهجة كي يعترف بأمور لم يرتكبها لكنه لم يذعن لذلك، مما أثار سخط المحققين معه.

وقد أفرج عن يوسف عزيزي في تموز/ يوليو 2005م بكفالة مالية قدرها أكثر من 20 ألف دولار. وقد استدعي في يونيو/ حزيران 2006م إلى وزارة الأمن و من ثم إلى النيابة الثورية حيث ارتفعت كفالته المالية إلى نحو 100 ألف دولار بسبب كلمة ألقاها في نقابة الصحفيين الإيرانيين انتقد فيها موجة الإعدامات التي شملت الشباب الأهوازي حيث بلغ عددهم 25 شخصاً في تلك الآونة. وقد تم رهن الوثيقة الملكية لمنزله بطهران لدى المحكمة الثورية بطهران.

وخلال الأعوام الثلاث (2005 – 2008م) تم استدعاء يوسف عزيزي لوزارة الأمن والمحكمة الثورية في إيران لعدة مرات. وقد استمرت محاكمته في محكمة الثورة الإسلامية بطهران (الشعبة 15) وبواسطة القاضي أبو القاسم صلواتي لمدة سبعة أشهر ( من أيلول/ سبتمبر 2007 – نيسان/ أبريل 2008) حيث أصدر ضده حكماً بالسجن لمدة خمس سنوات بتهمة تنظيم مظاهرات نيسان 2005م في الأهواز.

وقد ساند يوسف عزيزي إعلامياً وسياسياً تلك المظاهرات التي قامت احتجاجاً على المخططات الحكومية الرامية إلى تغيير النسيج القومي لعرب الأهواز والتي كانت سلمية أساساً.

وكما جاء في بيان أصدره 70 كاتباً وشاعراً إيرانياً بارزاً أن عزيزي استخدم حقه في حرية التعبير للتنديد بقمع المظاهرات السلمية التي قامت بها الجماهير العربية في الأهواز، وأنه لم يشارك في أي نشاط آخر، وأن السلطة الإيرانية أصدرت هذا الحكم القاسي ضده لتنتقم منه بسبب مقالاته ومحاضراته في الدفاع عن القوميات غير الفارسية وخاصة عرب الأهواز.

وقد أبرمت محكمة الاستئناف (الشعبة 34) هذا الحكم في أيلول/ سبتمبر 2008م حيث لم يبق له إلا الاستئناف النهائي من المحكمة العليا.

وفي عام 2006م حرمت السلطات الإيرانية ابنته حنان عزيزي من الدراسة في دورة الماجستير بجامعة طهران، فرع اللغة والأدب العربيين رغم قبولها بامتحانات الجامعة وبمعدل ممتاز. كما اعتقل الأمن السوري نجله افنان عزيزي في آذار/ مارس 2007 ولمدة 41 يوماً حيث كان يدرس في جامعة دمشق. فلم يكن للاثنين أي نشاط سياسي آنذاك ويعود السبب في الحالتين إلى نشاط والدهما السياسي والثقافي ودفاعه عن حقوق الشعب العربي الأهوازي.

وفي العام 2008م حاز على جائزة القائمين على ندوة “حقوق المرأة في إيران وأذربيجان وتركيا” المنعقد في اسطنبول، وفي العام 2009 حاز على جائزة منظمة الراصد لحقوق الانسان (هيومن رايتس واتش) الأمريكية والتي توصف بجائزة “هلمت – همت” وتمنح كل عام إلى الكتاب الذين يتعرضون للسجن والتعذيب أو مشكلات أخرى بسبب انتقادهم للأنظمة الدكتاتورية في العالم.

قائمة الكتب الصادرة لـ يوسف عزيزي:

أـ في مجال القصة القصيرة:

  1. حتة والنهر والهور
  2. عيون شربت

ب: دراسات حول الشعب العربي الأهوازي:

  1. أساطير الشعب العربي الأهوازي
  2. نظرة إلى الشعب العربي في الأهواز
  3. القبائل والعشائر العربية في اقليم الأهواز
  4. نسيم كارون، الجزء الاول ( كتاب دوري حول الأدب والتراث العربي الأهوازي)
  5. نسيم كارون، الجزء الثاني (صدر في ألمانيا بسبب منع السلطات الإيرانية)

ج: الترجمة من العربي للفارسي:

  1. أوراق الزيتون (ديوان لمحمود درويش)
  2. منتخب الشعر العربي المعاصر( لعبدالوهاب البياتي ومحمود درويش ومحمد الفيتوري).
  3. مغني الدم (الجزء الثاني لمنتخب الشعر العربي المعاصر)
  4. الولد الفلسطيني (مجموعة قصص قصيرة لعدد من القصصين العرب)
  5. كفاح الشعب الفلسطيني قبل 1948 لعبدالقادر ياسين
  6. عائد إلى حيفا (رواية وقصص لغسان كنفاني)
  7. يوم قتل الزعيم (رواية وقصص لنجيب محفوظ)
  8. الشيطان يعظ (مجموعة قصص لنجيب محفوظ منعتها الرقابة)
  9. بقايا صور (رواية لحنا مينه)
  10. الفكر الحديث في العالم العربي (للعالم الروسي ز.ا. ليفين)
  11. من هو الذي سينتصر في فيتنام؟ (فونجوين جياب)
  12. الماسونية في العالم العربي (نجدة فتحي صفوة)
  13. الثورة الوطنية – الديمقراطية في اليمن (عبدالفتاح اسماعيل)
  14. فتافيت امرأة (ديوان سعاد الصباح)

الكتب الصادرة بالعربية: 

  1. القبائل والعشائر العربية في عربستان (الأهواز)
  2. إيران: الحائرة بين الشمولية والديمقراطية
  3. حتة وعيون شربت
  4. بين الحياة والموت في زنازين إيران السرية

نص الحوار:

1ـ يشير مفهوم الإبادة إلى جرائم القتل الجماعي المرتكبة بحق مجموعات معينة من البشر بقصد إلغاء وجودهم كلياً، وتتعدد أساليبه وأدواته. إلامَ تعزو حصول جرائم الإبادة بحق المكونات والشعوب من قبل الأنظمة الحاكمة، وهل ثمة أيديولوجيات تحمل في طياتها بذوراً للكراهية والتطرف والعداء للمجتمعات والشعوب؟

معظم الشعوب التي تعاني من الاضطهاد القومي تتعرض بشكل أو آخر لعمليات إبادة من قبل الأنظمة الحاكمة المحتكرة للسلطة نيابة عن قومية واحدة مهيمنة. وقد يتم ذلك بحوافز عنصرية أو دينية أو الاثنين معاً وبأساليب ناعمة أو خشنة من قبل أنظمة تحمل أيديولوجيات قومية متشددة أو قومية دينية متطرفة لا تعترف بحقوق الشعوب الرازحة تحت نير سلطتها. وتعود الخلفية لانبثاق هذه الظاهرة إلى انتشار العلاقات الاقتصادية الحديثة في القرن العشرين وسعي أحد الشعوب المتنمرة لإقامة ما يوصف بالدولة – الأمة على حساب الشعوب والقوميات الأخرى التي تشاركه الوطن. وقد شاهدنا ظهور هذه الأيديولوجية القائمة على الكراهية والعداء للآخر القومي في إيران متمثلة بأيديولوجية ”بان إيرانيسم“ القائمة على نقاء العرق الآري (وهو الاسم المستعار للقومية الفارسية) والتي أثرت ليس على القوميين في إيران فحسب بل وعلى الدينيين والليبراليين واليساريين بشكل أو آخر. كما إنها تجلت في الأيديولوجية الطورانية المعادية للشعوب الأصلية القاطنة في تركيا أو الأيديولوجية القومية العربية المتشددة في العراق وسوريا. لذا ما يعانيه الكردي في سوريا وتركيا من اضطهاد قومي وعنصري هو نفسه الذي يعانيه العربي والبلوشي والكردي والتركي في إيران.

2ـ تتركز حملات الإبادة والتغيير الديمغرافي في منطقة الشرق الأوسط على الشعوب الأصيلة “العرب، الكرد، الأرمن، السريان…الخ” بدعم أو تغاضٍ من قبل القوى العالمية، ألا ترون أن هناك حملة ممنهجة تدار عالمياً وإقليمياً لاستهداف ثقافة وحضارة ووجود شعوب المنطقة، وإلام ترمي أهداف تلك الحملة؟

أنا لم أفهم القصد من ”القوى العالمية“ في هذا السؤال بالدقة، لكن إذا تقصد بذلك الدول والقوى العظمى والكبرى الفاعلة على المستوى الدولي، فإني لا أشاركك الرأي في ذلك. هناك دول وشعوب وبرلمانات ومؤسسات مدنية في الدول الغربية تختلف في مواقفها تجاه قضايا القوميات والشعوب المضطهدة في منطقتنا. فعلى سبيل المثال للأكراد أصدقاء في هذه الدول، بل وحتى بين بعض الحكومات وهذا ما ينطبق على الشعوب المضطهدة في إيران وتركيا والدول الأخرى في المنطقة. لكن بالتأكيد إن مبادئ الديمقراطية والليبرالية ليست وحدها التي تحدد مواقف الدول الأوروبية والولايات المتحدة تجاه هذه الشعوب، بل أيضاً مصالحها وتحالفاتها مع الأنظمة هنا. وأقول إنه صحيح أنها تدعم هذه الأنظمة وتتغاضى إزاء الحملات الممنهجة ضد الشعوب المسحوقة في منطقتنا لكن المسؤول الأول لهذه الحملات الممنهجة هي الأنظمة الاستبدادية والشوفينية الحاكمة التي تحاول استئصال جذور حضارة الشعوب الأصلية وثقافتها. وبالطبع للشعب الفلسطيني وقضيته وضع خاص لأنها حالة استعمارية بامتياز تختلف بعض الشيء مع قضايا الشعوب المضطهدة الأخرى في الشرق الأوسط.

3ـ هل لكم أن تقدموا نبذة عن بنية وهيكلية النظام الحاكم في إيران الذي يملك سجلاً هائلاً من القمع وانتهاك حقوق القوميات والشعوب وتهميش المرأة وقضايا المجتمع عموماً، والأيديولوجيا التي تستند عليها، ودور ذلك في قمع حقوق الشعوب الإيرانية “الكرد، العرب، البلوش…الخ”؟

من أجل فهم هيكلة النظام الحاكم في إيران يجب أن نعرف وبعمق طبيعة هذا النظام السياسية والاجتماعية والقومية. برأيي إن إيران كانت ولاتزال إمبراطورية رغم تحولها من ملكية إلى جمهورية إسلامية، وأنها لم تتحول بعد إلى دولة – أمة. إذ يصف أول دستور أفرزته ثورة الدستور (١٩٠٦-١٩٠٩م) إيران بـ ”الممالك المحروسة“، حيث كانت الإمبراطورية الفارسية في العهد الصفوي تتشكل من أربعة ممالك: مملكة عربستان، مملكة جورجيا، مملكة لرستان ومملكة كردستان، تليها الولايات الأقل أهمية مثل ولاية أصفهان وولاية كرمان. وفي أوائل القرن التاسع عشر أي في العهد القاجاري وبعد انفصال مملكة جورجيا من هذه الإمبراطورية، أصبحت هناك ست ممالك في الإمبراطورية القاجارية: مملكة عربستان، مملكة لرستان، مملكة كردستان (أردلان)، مملكة أذربيجان، مملكة جيلان ومملكة خراسان. هذا يعني أن هذه الممالك وأسماءها تدل على وجود قوميات عربية ولورية وكردية وتركية آذرية وجيلانية وفارسية. وقد أضيفت إليها فيما بعد قوميات أخرى كـ البلوشية والتركمانية، أي أن إيران، ورغم إنكار القوميين الفرس، تُعد بلداً متعدد القوميات والشعوب.

ثورة شباط/ فبراير ١٩٧٩م التي أطاحت بالنظام الملكي لم تغير كثيراً في البنية الإثنية للسلطة الإيرانية. وفيما كان الدستور السابق لم يؤكد إلا على رسمية المذهب الشيعي، أضيف إلى ذلك في دستور الجمهورية الإسلامية، اللغة الفارسية كلغة رسمية لبلد متنوع اللغات والقوميات. ومن هنا ينطلق التمييز إزاء الشعوب غير الفارسية وغير الشيعية في إيران. كما نجد نفس التمييز في هذا الدستور إزاء المرأة ومعتنقي المذاهب والأديان الأخرى. وعلى هذا الأساس تعرضت الشعوب غير الفارسية والمرأة وغير المسلمين والسنة إلى اضطهاد صارخ قل نظيره، تشهد عليه تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.

كما وفي البعد الاجتماعي لم تغير الثورة كثيراً في التركيبة الطبقية في المجتمع الإيرانية بل ساءت الأمور في بعض الأحيان. أي إنه وبعد سقوط الشاه وحذف البلاط الملكي والرأسماليين الكبار التابعين له، نمى رأس هرم جديد من رجال الدين الكبار والقادة العسكريين والأمنيين، أي إن بعض الفئات المهمشة في عهد الشاه تسلقت السلم الاجتماعي بعد الثورة وحلت مكان الفئات التي كانت تحتل رأس الهرم قبل الثورة، وقد اتسعت الهوة الاجتماعية وزاد التفاوت الطبقي في المجتمع الإيراني القائمة ايراداته أساساً على الريع النفطي. وأنا أستند هنا على كلام مسؤول حكومي بارز هو محمد باقر قاليباف – رئيس بلدية طهران السابق – الذي أكد قبل عام وخلال حملته الانتخابية لرئاسة الجمهورية إن 4% من الإيرانيين يملكون معظم ثروات البلاد. وقد شاهدنا خلال العام المنصرم المئات من الإضرابات والاحتجاجات العمالية والجماهيرية رفضاً للتفاوت الاجتماعي والاضطهاد القومي والعنصري في المجتمع الإيراني، أبرزها انتفاضة الطبقات المسحوقة في أواخر عام ٢٠١٧م وانتفاضة الشعب العربي في إقليم عربستان في آذار/ مارس من هذا العام.

فوفقاً لما ذكرت، تعاني إيران من تنمية اقتصادية وسياسية واجتماعية غير متوازنة قائمة على تطور المركز (العاصمة والمناطق الفارسية في وسط إيران) على حساب تخلف المحيط (مناطق القوميات غير الفارسية والمناطق المهمشة)، وكذلك تعاني من تفاوت اجتماعي وطبقي واسع، أو بالأحرى تعيش إيران على فجوات (بل فوالق زلزالية) جيلية وجنسية وإثنية وطبقية.

4ـ ماذا عن منطقة الأهواز (عربستان) العربية في إيران، هل من نبذة عن تاريخ وجغرافية والتركيبة السكانية والبنية الاجتماعية للمنطقة؟

وفقاً للمؤرخين الفرس يقيم العرب في جنوب النجد الذي عُرف فيما بعد بنجد إيران منذ ألوف السنين، وهم ورثة الحضارة السومرية والأكادية والبابلية. وأبرز هؤلاء المؤرخين، هو محمد بن جرير الطبري الذي يتحدث في تاريخه عن الوجود المكثف للقبائل العربية في العهدين الفارتي والساساني – قبل الإسلام – في جنوب إيران وخاصة في الأهواز وسوق الأهواز ونهرتيري وميسان.

وفي أوائل القرن الخامس عشر تمكن العرب من تأسيس مملكة عربستان امتدت من كرمنشاه شمالاً إلى الأحساء والقطيف جنوباً ومن الكوت والعمارة غرباً إلى جبال زاغروس شرقاً، حكمها المشعشعون لمدة قرن باستقلال كامل ومن ثم شبه استقلال بعد هجوم الشاه اسماعيل الصفوي عليها. وكانت عاصمتها الحويزة. كما حاز الشيخ سلمان الكعبي مرة أخرى على استقلال عربستان في الفترة ١٧٣٧-١٧٦٧، وكانت عاصمته الفلاحية.

وقد استمر حكم الكعبيين على إمارة عربستان حتى عهد الشيخ خزعل بن جابر (١٨٩٧-١٩٢٥) وعاصمته كانت المحمرة. وفي العام ١٩٢٥ قضى الشاه رضا بهلوي – ممثلا للقومية الفارسية ومعتنقا للأيديولوجية الفارسية (الآرية) الشوفينية – على مملكة عربستان وقتل حاكمها الشيخ خزعل في طهران. وقد أصبح هذا التاريخ انطلاقة للاضطهاد القومي ليس ضد العرب فحسب بل وجميع الشعوب غير الفارسية.

يشكل العرب في إيران نحو  8% من سكان البلاد، 6% منهم يسكنون في جنوب وجنوب غربها. يقطن العرب في إقليم عربستان (خوزستان رسمياً) الواقع في جنوب غرب إيران وعاصمته الأهواز ويجاور العراق غرباً والأقاليم اللورية شرقاً، واللورية والكردية شمالاً، والخليج جنوباً. ويعتنق معظم هؤلاء المذهب الشيعي ويتحدثون بلهجة عربية تشبه اللهجة العربية في جنوب العراق (متسوبوتاميا). وهؤلاء هم الذين نَصفهم بالشعب العربي الأهوازي أو الأحوازي. كما يقطن العرب في منطقة الضفة الشرقية للخليج وجزره، نَصفهم بعرب الساحل او عرب الهولة، وهم يتحدثون العربية بلهجة تشبه اللهجة العربية الخليجية، ومعظمهم يعتنق المذهب السني.

وتؤمن عربستان نحو ٨٠% من إيرادات إيران، معظمه يذهب لتطوير العاصمة والمناطق الفارسية في وسط البلاد. ويعتمد اقتصاد الإقليم على الصناعة والزراعة والخدمات، فأرضها خصبة ومتنوعة زراعياً بسبب وجود أربعة أنهار ومحاذاتها للبحر (الخليج). وتهيمن أقلية غير عربية على معظم القطاعات الاقتصادية وتسيطر سياسيا على إدارة إقليم عربستان، وهذا ما أدى إلى تهميش الأغلبية العربية سياسياً واقتصادياً وثقافياً وهي تعيش حالياً ظروف اقتصادية مزرية وتعاني من البطالة تفوق نسبتها في الإقليم النسبة المتوسطة في البلاد، بل إنها تتعرض لعنصرية بغيضة في التوظيف في شركة النفط والشركات والدوائر الحكومية والخاصة الأخرى. إذ يمكن أن نشاهد أحزمة الفقر العربية الواسعة في المدن الكبرى كالأهواز وعبادان تحيط بأحياء راقية تقطنها أقلية غير عربية. وتبذل السلطات الإيرانية جهوداً حثيثة لتغيير التركيبة السكانية لصالح غير العرب وتهمل التلوث المتزايد للماء والهواء بسبب تجفيف الأهوار والأنهار وحرفها إلى المناطق الفارسية وهذا ما أدى إلى ارتفاع نسبة السرطان والربو والأمراض القلبية والرئوية في عربستان قياساً بسائر مناطق إيران. كما تم تغيير اسم مملكة أو إمارة عربستان إلى محافظة خوزستان وكذلك الأسماء العربية لمعظم المدن والأحياء والقرى والأهوار والأنهر والمواقع الجغرافية من العربية إلى الفارسية خلال العهدين الملكي والجمهوري. بل ويمنع منعاً باتاً تسمية المواليد بأسماء عربية غير شيعية مثل طارق وشيماء ونبيل و.. ويقترح عليهم التسمية بأسماء فارسية قحة كـ “بريسا وكامبيز وكورش و..”. ضف إلى ذلك بناء المستوطنات الفارسية في داخل المدن وبين المدن وفي المناطق الحدودية وكل ذلك من أجل تفريس المنطقة.

 

5ـ كيف يحكم النظام المركزي في إيران منطقة الأحواز، وماهي أبرز الانتهاكات التي ارتكبها النظام في المنطقة، وهل ثمة حملات ممنهجة للإبادة والتغيير الديمغرافي حدثت في المنطقة؟

كما ذكرت آنفاً، كانت إمارة عربستان وحتى عام ١٩٢٥ تتمتع بحكم ذاتي مطلق يماثل بما يتمتع به حالياً الكرد في العراق. في ذلك العام ودون أن يسأل الشاه رضا البهلوي، الحاكم الجديد لإيران، عن ما يريده الشعب العربي الأهوازي فيما يخص مصيره، جيش الجيوش من طهران وهاجم مملكة الإمارة، غير أنه لم يتمكن من القضاء على آخر حاكم عربي للملكة أي الشيخ خزعل بن جابر إلا بالمكر والخديعة. ويصف البعض هذا الهجوم العسكري على الإمارة وإسقاط الشيخ خزعل، بالاحتلال فيما يقول البعض الآخر بأنه انضمام وإلحاق قسري. الرأي الأول يدعي أن الشيخ خزعل كان مستقلاً عن الدولة الإيرانية، فيما يقول الرأي الآخر إنه كان يتمتع باستقلال داخلي فقط. فقد تم نفي الشيخ إلى طهران ومن ثم اغتياله من قبل الشاه رضا.

فقد أشرت آنفاً إلى وجود نظام الممالك المحروسة في إيران حتى أوائل القرن العشرين حيث كانت مملكة عربستان (إلى جانب سائر الممالك) تتمتع باستقلال داخلي، وهذا يعني أن إيران كانت تدار وفق نظام فيدرالي تقليدي. وقد قام آنذاك الشاه رضا البهلوي بانقلاب ضد عائلة القاجار المالكة وأبطل مفعول ذلك النظام الذي كان سائداً في إيران لقرون وأقام نظام مركزي حديدي تتحكم فيه القومية الفارسية، فيما تم حرمان سائر القوميات التركية الآذرية والكردية والعربية والبلوشية واللورية والتركمانية من حقوقها القومية وعلى رأسها الحكم الذاتي المحلي.

في الحقيقة إن عملية إعدام ثلاثة من زعماء الحركة الوطنية الأهوازية في العام 1964م- في عهد الشاه – تُعد نقطة انعطاف في نضال الشعب العربي الأهوازي. فلا مجال هنا للتطرق إلى كل الجرائم التي ارتكبها نظام الشاه وأبوه ضد الشعب العربي في إيران خلال حكم السلالة البهلوية (١٩٢٥-1979م) لكن يمكن أن أشير إلى ما واجهه شعبنا بعد قيام الثورة التي أطاحت بالملكية في فبراير 1979م حيث شارك فيها وقدم التضحيات، وأطلق العمال العرب في شركة النفط بعبادان والأهواز، بإضراباتهم وإغلاقهم لتصدير النفط إلى الخارج، رصاصة الرحمة ضد نظام الشاه.

وفي نيسان/ أبريل ١٩٧٩م أوفد الزعيم الروحي للشعب العربي الأهوازي الشيخ محمد طاهر شبير الخاقاني وفداً أهوازياً من ٣٠ شخصاً إلى طهران – وأنا معهم – للتباحث مع الحكومة المؤقتة بقيادة مهدي بازرغان واللقاء بالقادة الدينيين للثورة كالخميني والطالقاني والكلبايكاني مطالبين بإعادة الحكم الذاتي لشعبنا واعتبار العربية لغة رسمية في الإقليم، غير أنهم واجهوا مطالب شعبنا ومظاهراته السلمية بالحديد والنار، وفي ٣٠ أيار/ مايو ١٩٧٩م هاجمت قواتهم العسكرية والميليشيات الدينية الشوفينية التابعة لهم، مقرات الأحزاب السياسية والمراكز الثقافية في كل مدن عربستان وارتكبوا مجزرة في مدينة المحمرة راح ضحيتها نحو ٥٠٠ شخص، منهم من قُتل في الشوارع ومنهم من اُعدم. وقبل ذلك أي خلال عطلة أعياد نوروز – آذار/ مارس – عام ١٩٧٩ قامت السلطة الدينية الوليدة بقمع الشعب الكردي في إقليم كردستان إيران. وهذا يعني إن الحكومة الدينية الوليدة بدأت عملياتها المعادية للحركات القومية الكردية والعربية ومن ثم – بعد بضعة أشهر – للحركات القومية التركمانية والآذرية، وعندما انتهت من قمعها توجهت إلى القوى السياسية اليسارية والوطنية والقومية الفارسية في طهران ولم يسلم من بطشها أي حزب وفصيل سياسي معارض شارك في النضال ضد الحكم الشاهنشاهي في إيران. ولم تطالب الشعوب غير الفارسية آنذاك إلا بحقها التاريخي المغتصب من قبل حكم العائلة المالكة وهو الحكم الذاتي لهذه الشعوب.

وقد أدت عمليات البطش ضد العرب إلى نفي الشيخ الخاقاني إلى مدينة قم وهروب العشرات من النشطاء وعوائلهم إلى العراق.

وفي أيار/ مايو ١٩٨٥ أثارت إساءة عنصرية متعمدة ضد العرب في إحدى صحف العاصمة طهران حفيظة الجماهير العربية في مدينة الأهواز، نتجت عنها مظاهرات كسرت صمت القبور الذي فرضه النظام المنتشي من قمع القوى السياسية الفاعلة في البلاد مستغلاً ظروف الحرب الإيرانية – العراقية. ولو لم يعتذر الرئيس الإيراني آنذاك علي خامنئي في صلاة جمعة طهران لما هدأت المظاهرات في الأهواز. لكنها أيضاً زجت بالمئات من النشطاء العرب إلى المعتقلات، تعرضوا فيها لشتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي. وقد وصف الأهوازيون تلك المظاهرات بانتفاضة الكرامة الأولى.

وبعد انتهاء الحرب الإيرانية – العراقية في ١٩٨٨م أحيا الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني مشروعاً ملكياً لما يسمي بتنمية زراعة قصب السكر في الإقليم وقام بمصادرة الألوف من الهكتارات من الأراضي الزراعية من القرويين العرب لحثهم إلى الهجرة ليقطنوا مدن الصفيح في المدن الكبرى وذلك لاجتثاثهم من أراض آبائهم وأجدادهم ليحل مكانهم المستوطنين غير العرب من الأقاليم والمدن المجاورة في محاولة إجرامية لتغيير التركيبة السكانية لإقليم عربستان. وقد قاوم القرويون والمزارعون العربُ هذا المشروعَ وسقط العشرات منهم في مواجهات مع قوات الشرطة والأمن.

وفي ١٩٧٧م شاركت الجماهير العربية – إلى جانب سائر الشعوب الإيرانية – في انتخاب الرئيس الإصلاحي خاتمي، لكن وبالرغم من  شبه الانفتاح الذي حصل في الأجواء السياسية، غير إن الإصلاحيين وبعد ثمان سنوات لم يطرحوا حلاً لمعضلة القوميات في إيران. ولذا خاب أمل الناس واندلعت في ١٥ نيسان/ أبريل ٢٠٠٥م (العام الاخير لعهد خاتمي) تظاهرات في الأهواز العاصمة وبعض المدن العربية الأخرى احتجاجاً على خطط السلطة لتغيير التركيبة السكانية في الإقليم لصالح غير العرب. وقد فتحت قوات الأمن النار على المتظاهرين السلميين الذين كانوا يتجهون إلى مكتب المحافظ. وقد قُتل نحو ٥٠ شخصاً (الحكومة لم تعترف إلا بـ ٩) وجرح العديد من المتظاهرين واُعتقل المئات بما فيهم كاتب هذه السطور رغم إني كنت أقيم في طهران آنذاك، غير أنهم اعتقلوني بتهمة تنظيم المظاهرات والاحتجاجات. وقد عُرفت هذه التظاهرات والاحتجاجات التي استمرت لنحو اسبوع بانتفاضة نيسان/ أبريل.

قمْعُ الحراك المدني والسلمي للعرب – الذي ازدهر نوعاً ما في عهد خاتمي – أدى إلى ظهور مجموعات راديكالية في الأهواز قامت بعمليات مسلحة ضد المنشآت النفطية والدوائر الحكومية، حالت بذلك دون زيارة المسؤولين الإيرانيين الكبار آنذاك كالرئيس أحمدي نجاد والمرشد الأعلى علي خامنئي إلى الأهواز لمدة سنتين، حيث شهدت الإقليم تفجيرات واغتيالات عدة. وقد سجلت منظمات حقوق الإنسان العالمية أكثر من (30) عملية إعدام وحالات اغتيال تحت التعذيب للنشطاء العرب في سجون الإقليم خلال الفترة ٢٠٠٥ – ٢٠٠٦م.

ولم يهدأ الإقليم بعد ذلك، بل استمرت الاضطرابات بشكل أو آخر، حيث سقط عدد من القتلى في الذكرى السادسة لانتفاضة نيسان/ أبريل في العام ٢٠١١.

وفي العام ٢٠١٢م قامت  السلطات الإيرانية بإعدام ثلاثة أشقاء وصديق لهم في الأهواز بتهمة حيازة أسلحة ومتفجرات. كما أعدمت في العام ٢٠١٤م المدرس في الثانوية والشاعر البارز هاشم شعباني وزميله المدرس هادي الراشدي. وقد أثار ذلك موجة من الاستنكار ليس بين الأهوازيين فحسب بل بين أوساط حقوق الإنسان والشعراء والأوساط الأدبية من أستراليا حتى الولايات المتحدة.

وبالرغم من كل عمليات القمع والبطش التي يقوم بها النظام الاستبدادي الشوفيني ضد العرب في إيران لم تخمد شعلة النضال، بل استمرت في السنوات الخمس الأخيرة بشكل وقفات ومظاهرات ضد بناء السدود العديدة لحرف الأنهر إلى المدن الفارسية وتجفيف الأخرى منها وكذلك العواصف الترابية الناتجة من ذلك التي حولت حياة أبناء الإقليم إلى جهنم. وقد توُج هذا الحراك الذي لا يستكين إلى انتفاضة شعبية في آذار/ مارس ٢٠١٨م استمرت لمدة أسبوعين احتجاجاً على إساءة العرب في التلفزيون الحكومي الإيراني. وقد تم اعتقال نحو ٣٠٠ شخص واغتيال ثمانية من المواطنين العرب في حادث مشبوه لإحراق مقهى شعبي يرتاده النشطاء والمثقفون العرب بالأهواز. وحتى الآن لايزال المئات من العرب يرزحون في سجون النظام وقد اُطلق سراح البعض منهم بكفالات مالية باهظة وهم ينتظرون المحاكمة.

6ـ ماذا عن الحركات التحررية  للشعوب الإيرانية عامة والأحوازية خاصة، وهل لعبت المطلوب منها في مقاومة الإجراءات والممارسات الإجرامية للنظام الإيراني؟

تختلف حركات التحرر للشعوب الإيرانية في بعض الأمور وتتماثل في أمور أخرى، ويعود ذلك إلى خصوصيات كل شعب، فقد أسقط الشاه رضا البهلوي عام ١٩٢٥ الحكم العربي في عربستان وقضى ابنه الشاه محمد رضا البهلوي في عام ١٩٤٦ على الحكم الذاتي لجمهورية مهاباد (كردستان) والحكم الذاتي لإقليم أذربيجان في إيران.

ويتميز الشعب التركي الآذري في مقاومته للنظام الشوفيني الكهنوتي في إيران إلى النضال السلمي والمدني، فهذا الشعب ورغم كثرة نسمته (أكثر من ثلث سكان إيران) ودوره السياسي البارز في تاريخ إيران المعاصر لا يملك تنظيمات سياسية عريقة، لكنه يبقى العامل الحاسم لحل قضية القوميات غير الفارسية في إيران. كما يتسم نضال الشعب الكردي بالعمل المسلح أحياناً والعمل السلمي أحياناً أخرى، لكنه يملك أحزاب سياسية لها تاريخ عريق يصل إلى أربعينيات القرن المنصرم. ولا ننسى أن الكرد ومنذ قيام الثورة في ١٩٧٩م أخذوا يسيطرون على معظم مدن كردستان إيران وقد استمروا في سيطرتهم على بعض المدن حتى العام ١٩٨٤م. إذ كانت كردستان ملجأ للقوى المعارضة الإيرانية – وخاصة اليسارية منها – التي تعرضت لقمع ممنهج منذ العام ١٩٨١م. ويتصف نضال الشعب البلوشي في معظمه بالعمل المسلح ضد النظام الإيراني وهيمنة التيارات الدينية السنية عليه. غير إن نضال الشعب العربي ينقسم بين السلمي والمسلح غير إنه وفي العقد الاخير أخذت النخبة تتجه إلى العمل السلمي والمدني الجماهيري أكثر فأكثر.

وقد أدى الاضطهاد القومي والقواسم المشتركة بين الشعوب غير الفارسية بأن تتجه إلى التقارب فيما بينها. فلأول مرة في التاريخ السياسي الإيراني ضمت ”الجبهة الوطنية الديمقراطية” في حزيران/ يونيو 1979 شخصيات ومنظمات سياسية عربية وكردية وآذرية وبلوشية وتركمانية. غير إن النظام الديني الوليد قام بحل الجبهة في العام ١٩٨١م وإعدام بعض من قادتها، بل وقام بتصفيات جسدية فيما بعد لبعض القادة المشاركين فيها ك ”توماج“، ”مختوم“، ”واحدي“ و“جرجاني“ من قادة الحركة التركمانية آنذاك، والدكتور عبدالرحمن قاسملو الأمين العام الاسبق للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وصديق كمانغر الأمين العام الأسبق لمنظمة كومله. فنحن الناجون من تلك التصفيات، استغلينا الانفتاح الجزئي في الأوضاع السياسية في عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي وقمنا في العام ٢٠٠٠ بتشكيل ”بيت الشعوب“ الإيرانية، لكن وبعد عامين قامت الاستخبارات الإيرانية بإغلاقها. فآخر محاولة للتنسيق والتعاون بين الشعوب الإيرانية كانت في العام ٢٠٠٥ حينما قام ممثلون عن الأحزاب الكردية والعربية والتركمانية والبلوشية والآذرية والبختيارية بتشكيل ”مؤتمر شعوب إيران الفيدرالية“ في لندن. فرغم المحاولات العديدة لم ينضم الفرس حتى اللحظة لهذا التنظيم، كما إنه لم يضم جميع الشخصيات والمنظمات التابعة للقوميات غير الفارسية وهو بحاجة إلى تطوير. غير إنه يبقى  الإطار الوحيد الذي تجتمع فيها معظم القوميات غير الفارسية.

يجب أن أشير هنا إن النظام الاستبدادي الديني في إيران ليس الوحيد الذي لم يعترف بوجود الاضطهاد القومي في إيران، بل تشاركه الرأي معظم الأحزاب والمنظمات المعارضة. خلال الأعوام الأولى للثورة كانت معظم المنظمات اليسارية تعترف بحق تقرير المصير للشعوب المضطهدة في إيران، غير إنه وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وضعف اليسار الإيراني انحسر هذا الأمر. إذ تسود حالة من الشوفينية الفارسية معظم المنظمات والأحزاب الإيرانية. ونلمس نوع من العنصرية بين هذه الفصائل تجاه العرب. ولم تقتصر العنصرية المعادية للعرب للنخبة السياسية الإيرانية، بل تتجاوزهم لتشمل الطبقات الوسطى وفئات من الطبقات المسحوقة. وتعود هذه الظاهرة إلى الفتوحات الاسلامية تاريخياً والخلافات بين الدول العربية وإيران جغرافياً، إذ لم تخل فترة تاريخية معاصرة من هذا العداء، من خلافات جمال عبدالناصر وعبدالكريم قاسم في الماضي إلى خلافات دول الخليج مع إيران حالياً. فلذا يمكنني القول إن شعبنا العربي يتعرض لخطاب عنصري مقيت معادي للعرب، فنشاهد ذلك في الإعلام الفارسي (الصحافة والتلفزيون) بشكل شبه يومي وفي الكتب الدراسية وغير الدراسية كالروايات والكتب التاريخية والسياسية وفي السينما وفي الملاعب الرياضية، حينما يقابل فريق كرة قدم عربي فريق إيراني. وتتجلى هذه الاستعلائية الفارسية بشكل هتافات وشتائم هجينة ومبتذلة ضد العرب في الملاعب وبواسطة الألوف من المشجعين، وكذلك بترسيم صورة داكنة ومريضة ومتخلفة للعربي في الكتب والصحافة الفارسية. وكانت انتفاضة الكرامة الثانية التي انطلقت أواخر آذار/ مارس الماضي، واستمرت لمدة أسبوعين رداً جماهيرياً عربياً على تهميش العرب وتحقيرهم في التلفزيون الحكومي الإيراني. وفي الحقيقة إن الانتفاضات العربية المتتالية خلال العقدين الأخيرين تُعد بمثابة رداً مقاوماً للخطاب العنصري المعادي للعرب في إيران، حيث قدم شعبنا خلالها المئات من القتلى والجرحى والمعتقلين والمفقودين وهو يقاوم ليس سياسياً فحسب بل ثقافياً ولغوياً واجتماعياً أيضاً. فعلى سبيل المثال رغم احتفال الإيرانيين وبشكل رسمي بعيد نوروز كعيد قومي ووطني، فإن جماهير شعبنا تحتفل بعيد الفطر عيداً وطنياً ودينياً بل وتستخدم هذه المناسبة للتعبير عن غضبها إزاء الاضطهاد القومي والعنصري بإقامة المظاهرات، حتى في أحلك الظروف.

7ـ كيف يمكن للشعوب الإيرانية أن تتخلص من الانتهاكات والممارسات العنصرية والإجرامية التي ترتكبها النظام الإيراني، وما هو النظام الأمثل الذي ترونه مناسباً لتطبيقه في إيران للتخلص من كافة الأزمات المجتمعية وقضايا الشعوب؟ 

هناك اتجاهات سياسية متنوعة ومختلفة بين الشعوب غير الفارسية منها التي تطالب بالاستقلال عن إيران ومنها التي تعتقد بممارسة حق تقرير المصير للشعوب غير الفارسية ومنها التي تطالب بنظام فيدرالي لإيران. ورغم انه لا توجد آلية لاستطلاع رأي هذه الشعب بسبب استبداد الحاكم، غير إن القرائن تظهر أن معظم الشخصيات والمنظمات السياسية لهذه الشعوب ترى الحل الفيدرالي هو الأنسب في الظروف الراهنة. أنا أيضاً أشاطر هذا الرأي، غير إن الأمر بحاجة إلى جهد تنويري وتوعوي كبير خاصة بين الشعب الفارسي الذي يرى معظم نخبته في الفيدرالية مقدمة لتفتيت إيران. فما عدا بعض المنظمات اليسارية – وهي غير مؤثرة في الوقت الحاضر – التي ترى في النظام الفيدرالي حلاً لمعضلة القوميات في إيران، ولا توجد منظمات إيرانية أخرى تدعم هذا المشروع بل أكثر ما تؤمن به هو حق التعليم بلغة الأم لهذه القوميات.

تواجه إيران، وبسبب الحراك السياسي الداخلي والضغوط الإقليمية والدولية، أزمات اقتصادية واجتماعية وتوترات سياسية يمكن أن تتطور في المستقبل وتؤدي إلى تغيير في نظام الحكم الديني، فالحراك الحالي يضم الحركات القومية للشعوب غير الفارسية، حراك العمال وسائر الطبقات الكادحة والمسحوقة والحركة النسائية. كما ومن المتوقع أن تنضم إليه فئات اجتماعية أخرى. فمعظم المحللين الإيرانيين يؤكدون على احتمال انهيار النظام الإيراني عاجلاً أو آجلاً لكنه لا توجد معارضة منسجمة تشكل البديل السياسي لهذا النظام. يوجد هناك جدار مرتفع من عدم الثقة يفصل بين حركة الشعوب غير الفارسية وسائر الحركات الاجتماعية والسياسية أي لا يوجد انسجام بين فصائل المعارضة الإيرانية بكل أطيافها. ليس هذا فحسب بل هناك انقسامات أيديولوجية وسياسية بين الأحزاب الإيرانية (الفارسية) ذاتها وكذلك هناك مد قومي فارسي متطرف شاهدناه في الهتافات الموالية لابن الشاه المخلوع بين بعض المتظاهرين خلال الانتفاضة الأخيرة في إيران والذي يثير الهلع بين القوميات غير الفارسية. ويقيم رضا البهلوي – ابن الشاه السابق – حالياً في الولايات المتحدة. فكل هذه الأمور تطيل من عمر النظام الذي أكدت الانتفاضة التي شملت أكثر من ١٠٠ مدينة إيرانية في نهاية العام الماضي وكذلك الاحتجاجات العمالية والقومية المستمرة بشكل شبه يومي، أكدت هشاشته. وفي النهاية أقول إن إيران لابد أن تعود إلى نظامها اللامركزي الذي كان سائداً حتى العام ١٩٢٥ لكن بصورة تحديثية، أي  – برأيي – إنه يمكن حل المسألة القومية في إيران بإقامة نظام ديمقراطي فيدرالي تعددي في البلاد.

جديد الموقع

إيران امام مأزق الحزمة الثانية من العقوبات الأميركية- مقابلة قناة اليوم معي ود.الحمروني


إيران فورة الإعدامات المرعبة، موضوع مقابلتي مع قناة اليوم


اقتربنا للقطب، مع صديقي ابومنار في فنلاندا


حواري مع قناة “الحوار” حول ازمة حكومة روحاني و دور المرشد الاعلى في الأزمة الاقتصادية


مقابلتي مع قناة اليوم حول تشكيل الفريق الخاص بإيران في الخارجية الأميركية


فيسبوك

تويتر

ألبوم الصور