حتة

              قصة قصيرة

             يوسف عزيزي

Hatem alkabi

علم المتهم بما يخططون له عند ما ضرب المحامي بقبضته على الجدار غاضبا بعيد تلاوة القاضي الحكم الصادر بحقه.  

كان البيان مقتضبا: المحكمة تصدر حكم الاعدام على حاتم الكعبي المعروف ب”حتة” لارتكابه جريمة الهجوم على مخفر لقوات الامن في مدينة الشوش.

اغتنم الفرصة لتوديع اشقاءه و تقبيل وجه امه العجوز. قيدوا يده بيد احد الشرطة ليجلسا جنبا الى جنب في قفس السيارة لتنقلهم الى مدينة الاهواز؛ فيما تولى شرطي آخر قيادة السيارة.

الطقس كان مغبرا بفعل الزوابع الرملية، حيث كانت الرؤية تتم بصعوبة. فالاحمرار كان باديا على عيون المارة و هم يبدون مصابين بمرض الحُثار.

خطرت فكرة على باله لكنه سرعان ما تخلى عنها. الامر مبكر. فكرة الهروب شغلت باله منذ ان ضرب المحامي بقبضته على الجدار.

 قال الشرطي البدين ذو الشوارب الكثة الملتوية الى الاعلى للشرطي الاخر الهزيل جسميا:

–  ألم يكن بامكانهم ان يحتفظوا به لمدة ليلتين او ثلاث في مدينة دزفول؟

–  يبدو انهم يرغبون في التخلص منه.

–  لافرق أين يتم الاعدام، هنا او في الاهواز.

–  يخشون اعدامه في دزفول؛ فالمدينة صغيرة و يوجد فيها ابناء عمومته و اقرباؤه.

 كان الشرطيان يتحدثان بصوت عال بسبب ضجيج السيارة. فقال الشرطي البدين:

–  تكلم ماشئت، السجين لم يتقن الفارسية.

–  الى اي سجن نأخذه في الاهواز؟

–  سجن ” آخر اسفالت”.

–  كان يجب عليهم ان يبعثوا معنا شرطيا ثالثا، فالمسافة بين دزفول و الاهواز ليست بالقريبة.

–  لاتوجد لديهم قوة اضافية اولا؛ و ثانيا، السنا نحن رجال؛ شرطيان مسلحان مقابل رجل اعزل مكبل.

تلاقت نظرات السجين مع امواج نهر الدز. شعر بالتهاب المياه وكأنها مشتعلة. شاهد الضفة المرتفعة للنهر و من ثم الدوامة تحت الجسر حيث كانت المياه تتماوج. فلم يخطر بباله الغطس في هذا النهر ولم يتذكر ذكريات السباحة فيه. ركز جل تفكيره على حاله في تلك اللحظة حيث لم ينقض من عمره الا خمسة و عشرون ربيعا. فقد كان ومنذ نعومة اظفاره يسبح في مياه هذا النهر.

–  ويل لك يا نظام السلطنة؛ لو بقيت حيا سألقنك درسا لن تنساه.

قال هذا في قرارة نفسه؛ وعند انطلاق السيارة القى نظرته الاخيرة على النهر؛ فرأى امه وعلى رأسها عبايتها العربية و اشقاءه و كوفياتهم الحمراء اللائي ذكرته بدماء ابيه.

في الصحراء القفراء بين مدينتي دزفول و الاهواز كان يحاول ان يغلق عينيه ليغفو وينام غيران السيارة كانت اشبه بالحمام الساخن اثر الحرارة الشديدة المتسربة من سقف السيارة. كان ضجرا منهكا غارقا في العرق و دماغه ساخنا من زحمة الافكار. رفع رأسه الى السماء هامسا:

–  الهي انت شاهد  كيف صادروا اراضينا و خربوا بيوتنا و قتلوا والدي و جعلونا سائبين مشردين. الهي، ادعوك ان تنتقم لنا.

اخفض رأسه و حدق في عيون حارسه ومن ثم تبسم.

–  انتبه.

–  لماذا؟

–  لاشي. يجب ان تنتبه، فلهذه الابتسامة معنى.

–  لن اسمح له بالتحرك.

 اشعل السائق سيجارة وقال:

–  هذه المنطقة تعج بالمتمردين على الحكومة.

–  تصور، الى أي منطقة نفوني!

–  لهذا اقول انها مليئة بالمتمردين. فقد سبق وان ازعج شخصا كأبن الكلب هذا قوات الامن قبل خمسة عشر عاما. كان يصول و يجول في مناطق بني طرف و البسيتين

و الحويزة وهور العظيم. فلاانسى احدى عملياته ابدا. فقد كنا نطارده حتى قيل لنا أنه ضيف في احدى القرى النائية. مجموعتنا كانت تضم ضابطا و رئيس عرفاء و سبعة من عناصرالامن الداخلي. كان المتمرد ضيفا في احدى مضايف القرية حيث قمنا بمحاصرة “المضيف” من كل الجهات. كنا  نكرهه و كانت اعماله تثير غضبنا حيث كان ملفه و حتى ذلك الوقت يحتوي على اغتيال احد عشر عسكريا.

اخبرونا بانه لايحمل السلاح حيث استأسدنا جميعا و كان كل واحد منا يرغب بالفوز بالجائزة التي خصصتها الحكومة لرأسه. طلبنا من الضيوف ان يخرجوا من المضيف حيث خرج الجميع ماعدا ذلك المتمرد. لم تفلح تحذيراتنا و تأكيداتنا لخروجه من المضيف. فقد تقدم الملازم مدني قائد المجموعة قائلا بصوت عال: ” دعير، دعير، من الافضل لك ان تستسلم، لابد وان تستسلم”. لم نسمع ردا من داخل المضيف. فقد كرر الضابط مرة اخرى طلبه: ” اخرج يا دعير؛ فاذا قمت بتسليم نفسك ستبقى حيا

و سنخفف من عقوبتك”. لكن لم يأت اي رد من ذلك المتمرد.

فقد عاد الضابط بضع خطوات الى الوراء و آمر باعلى صوته:

” اطلقوا النار”. غربلنا  بالرصاص ذلك المضيف المصنوع من القصب حيث كان ينهمر بغزارة من يمينه الى شماله و من شرقه الى غربه. تصورنا ان الامر قد انتهى وان المتمرد لقى مصرعه.

فقد هم الملازم مدني بالدخول الى المضيف وهو يحمل رشاشا بيده. كنا نتوقع بان يخرج و معه جثة المتمرد دعير. مضت خمس دقائق، ومن ثم عشر دقائق و لم يخرج مدني من المضيف. ساورنا القلق روديدا رويدا. كان رئيس العرفاء جبانا نوعا ما؛ فلم يدخل المضيف الا مع اثنين من العسكريين. ففور دخولهم ارتفع ازيز الرصاص من المضيف. الصوت كان صوت رشاش. فبعد هنيهة انقطع الصوت ولم يخرج هؤلاء الثلاث ايضا من المضيف. اصبنا بالذعر جميعا حيث لاانسى ما قاله لي المرحوم رئيس العرفاء النائب رضا: ” انني اتكهن بان الجن يعشش في هذا المضيف؛ فماذا حدث لهؤلاء و المتمرد لم يملك سلاحا”. فقدنا معنوياتنا تماما واذا بالعسكريين يفرون من مكان الحادث وانا وراءهم.

 فسأله الشرطي الثاني:

–  ألم تعرفوا ماذا حدث؟

–  اطلعنا فيما بعد بان المتمرد كان وراء العملية. كان يختبي فوق خشبة منصوبة افقيا تحت سقف المضيف. فعند دخول الملازم مدني قفز دعير عليه و خنقه بيديه و اخذ رشاشه حيث قتل به العسكريين الثلاث الذين دخلوا بعد الملازم الى المضيف. كان انسانا عجيبا.

 اخذ حتة يفرك عينيه المنهكتين بكفه اليمنى لكن لم يمهله الشرطي حيث صوب بندقيته الى رأسه متسائلا:

–  ماذا بك تتحرك؟

 كانت المفردات الفارسية تطن في اذنه و ترسب على غشاءها الطبلي وتنمحي. عندما كان يرغب في التدخين لم يعرف ما ذا يقول لسجانيه حيث حرموه من لغة الاشارة ايضا. فكان الشرطيان يثرثران احيانا او يشيران بايديهم و شفاههم و يقهقهان.

تخيل حتة مدى عنائه مع السجانين حيث لم يفهم لغتهم و لم يفهموه. فقد همس مع نفسه: “من الذي يدرك هذه المأساة؟ فلو كانوا يفهمون لغتي لاستطعت في الاقل ان اطلب منهم سيجارة ولو بدفع الفلوس”.

كانت الاهواز كدزفول تتلوى تحت ضربات الزوابع الترابية حيث نافورات الغبار تتراقص في الشوارع و الساحات. فعند وصول السيارة الى الجسر المعلق على نهر كارون نظر حتة من بين القضبان الى خارج السيارة حيث كانت صورة الشمس الشاحبة ترقص في مياه النهر.

 سارت السيارة بموازاة النهر وبمسافة شارعين منه متجهة الى السجن؛ لكن قبل ان تصل الى السجن اهتزت بعنف حيث اقتلع حتة و مرافقه من مكانهما ولم يستقرا الا بعد ان استخدم السائق المكبح اليدوي. فقد كان الصوت الناجم عن استخدام المكبح و احتكاك الاطارات على ارض الشارع مزعجا و مثيرا لاعصابهم.

 قفز الشرطي البدين من وراء المقود بصعوبة الى الارض مفتشا الاطارات الاربع ومخاطبا زميله: ماذا بك جالس في مكانك، انزل، فقد انثقب الاطار الامامي.

الشرطي الهزيل فتح القيد من يده، الذي قيد به يدي حتة، قائلا:

–  كنا محظوظين!

 بقى حتة وحده جالسا في السيارة. ” حان الوقت كي اقوم بعمل ما، الفرصة مواتية”.

كان الشرطي البدين يلهث و العرق يتصبب من كل انحاء جسمه. كما ان الزوابع الترابية كانت تحول دون عمل الشرطيين لسحب الاطار المثقوب. و عندما كان الشرطي الهزيل يهم ليضع بعض الحجر امام الاطار لاعنا الشيطان الرجيم سأل الشرطي البدين، زميله بعيد لحظات من الحيرة:

–  لماذا لانستنجد بهذاالسجين القوي البنية؟

–  جيد، انا معاك.

 ناديا وبصوت واحد، حتة لينزل و يساعدهما. تركزت عيناه على البندقيتين الموضوعتين على بعد مترين منهما. الشرطي الهزيل كان متربعا على الارض، بلف سيجارته و الاخر منهمكا بالاطار المثقوب.

–  لف لي سيجارة ايضا كما تلف لنفسك.

قالها الشرطي البدين مدمدما:

–  اولاد الكلب، كان يجب ان يبعثوا معنا شرطيا آخر.

وقد تفاجأ الشرطي الهزيل بالركلات التي جاءت من ركبة حتة عندما كان يضع السيجارتين في فمه ليشعلهما. و تتالت الركلات لتشمل الشرطي البدين حيث اصابه حتة اصابة خطرة في خاصرته اليمنى. فقد اخذا يلتويان من الوجع حيث لاذ حتة بالفرار مسرعا، لافا في اول زقاق واجهه و من ثم الى شارع عريض. وعند رؤيته لفتحة حديدية لبالوعة مفتوحة على رصيف الشارع دخل منها واغلقها، حابسا انفاسه في صدره.

بعد دقائق استعاد الشرطيان حالتهما الطبيعية. وبقى الشرطي الهزيل يحافظ على السيارة و راح الاخر يبحث عن حتة يجرجر جسده الضخم ببطء. وقد اخذ الظلام يخيم على المدينة و قلب حتة يدق بسرعة اكبر حيث قال لنفسه:” لم يختلف شيء بالنسبة لي، فحكم الاعدام الصادر لاينقص و لايزود”. اخذ يشعر بالاذى من الرائحة النتنة في شبكة المجارير.

 – ” الثأر الثأر، علي ان انتقم من نظام السلطنة. ارجو من الله ان يبقيني حيا.

كان احيانا يسمع جزامي الشرطة وهي تمشي فوق شبكة المجاري تبحث عنه في تلك المنطقة. يصفر البعض و يركض البعض الاخر من جهة  الى اخرى. لعلها لم تكن اصوات جزامي بل اصوات احذية للذين يمرون كل يوم من  ذلك المكان. سمع خشخشة ما، متصورا بان الشرطة كشفوا مخبئه. اقشعر جلده اثر تصوره القاءهم القبض عليه مرة اخرى.

 کان مرتبکا ولم ير بدا الا وان يسلي نفسه بشکل او آخر. ” يبدو ان هؤلاء الشرطة الجبناء قد هربوا”؛ قال في قرارة نفسه. فقد کانت رائحة الامونيوم النتنة والسامة تعذبه وتسمم روحه. ” علي ان ابقی في هذا المستنقع النتن حتی آخر انفاسي”. فقد حرک جسده بعض الشئ کي لايشاهده احد من فتحة البالوعة. ” ياليت تنجدني هذه الفئران التي هي اصغر من لقمة للافاعي و السحليات، لیقرضن هذا القيد او ياليت يکون هنا أحد يقطع هذه الايدي غير الناجعة لاصبح بلاقيد، فهي لاتفيد بل و اصبحت عالة علي”.

 نظر الی ساعته، کانت العقارب تدور ببطء، تفوح منها رائحة نتنة. اصيب بحالة من الدوار والغثيان؛ تلثم بکوفيته دون جدوى. کان المکان يعج برائحة البيض النتن. صعب عليه التنفس. كان الوقت يداهمه و المكان يضايقه. اذ کانت الافاعي والجرذان تصول و تجول دون منازع. لم يتمکن من تمدید رجلیه الطوال. کان یجلس القرفصاء حینا و يتربع حینا آخر؛ ویغالب النوم و التعب کي لا یفاجئه عقرب او حشرة سامة اخری او یدهس رأس حیة مختبئة بین الاوحال. کان یعلم ان الافاعي السامة الخاصة بالمناطق الحارة تلجأ بکثرة في مثل هذا الموسم الی البالوعات الباردة هروبا من رمال السواحل الحارة للنهر.

 کان الدود الصغار والكبار یرتع بین الاوحال؛ والصراصیر الملطخة بغائط الادمي تسعی، مرتبکة من ولوج موجود غریب الی عالمها الوحلي. فقد اضطرب هدوءها اثر ولوج ابن آدم الی هذا العالم الآسن. فکأنک قذفت بحجر في برکة ماء ساکن.

 اخذ حتة یشعر بانه لیس انسانا بل صرصارا واهنا اعزلا في هذا المستنقع النتن.  مضت ثلاث ساعات او اکثر. الصمت کان سید الموقف. ” اذهب ام ابقی؟ فاذا لم اخرج قبل الفجر و قبل ارتفاع الحرارة فی النهار سأموت تسمما او اثر لدغة احدى هذه الحشرات و الافاعي. فاذا غامرت و خرجت من البالوعة سیعدمونني علی رافعة اثقال او فوق حافلة صغیرة في نفس المکان”. أطل برأسه من الفتحة حیث ملأت الریاح الرطبة الوافدة من نهر کارون رئتیه. ارتسم ” الشط ” فی ذهنه عریضا مهیبا رافدا.

 ” فاذا رافقني الحظ وبلغت شط کارون لااستبعد الغرق بین امواج النهر المتلاطمة؛ فعلی ای حال، ان الموت ینتظرني. فقد اغلقوا علي حتی طریق الانتحار. فماذا یمکن ان افعل بهذین الیدین المكبلتین؟ فلم يبقى لي الا و ان ضرب رأسي بهذا الجدار الاسمنتي.اي جدار هذا؟ ملطخ بالقذارة والوحول. آه! انني لم ارُد هذه الحالة، فهم الذین ساقوني الی هذا الطریق الوحل”.

 اقترب الوقت الى منتصف الليل. اصغى الی الشارع؛ فلم یسمع الا صرير الفئران والجرذان السمينة التی کانت تسعی فی اطرافه. لم یوجد احد في تلک الساعة المتأخرة من اللیل. صمت وهدوء و سکوت.

   تخيل كم هو طويل الزقاق الذي يصل الشارع الى ضفة النهر؛ طول الوقت الذي قضاه في ذلك المكان الآسن. نزع الكوفية الملفوفة على عنقه متلثما بها لعله يتخلص من الروايح النتنة.

 ” اذهب ام لا؟ فاذا شئت الذهاب علي ان اركض حتى ضفة النهر بنفس واحد؛ يكفي ان ابلغ الضفة المرتفعة للنهر لأختفي وراء السواتر الترابية. لكن من المحتمل ان ترصدني عناصر الشرطة؛ فهؤلاء عديمو الشرف لم يوقفوا اعمالهم و لم يسمحوا لصيد ثمين مثلي ان يهرب من ايديهم. لا، الخروج من المستنقع هو الجنون بعينه، كما ان البقاء يعني الموت والفناء. اذن ما هو الحل؟ ياالهي انني لااريد الموت في هذا المستنقع”.

 النهر كان يغويه. فقد خمن المسافة بينه و بين النهر:” يجب الا يكون بعيدا، فهي نحو خمسين الى ثمانين مترا. وبما ان كل الطرق مغلقة بوجهي, لابد لي وان اسيرعن طريق شبكة المجاري مع المياه الآسنة واتجاوز كل الصراصير والحشرات والافاعي لأصل الى مياه النهر العذبة”.

 انطلق حاني الظهر بخطوات محتاطة حيث تلوثت ازياؤه وحذاؤه و يداه و قدماه بالقذارة و الوحول؛ شعر بانشطار جسده اثر الانحناء المستمر؛ و صعب عليه التنفس حيث شعر بالاختناق وسط الطريق غيران نسيما من النهر لامس عينيه بعد خطوات قام بها.  كادت عيناه تتعود على الظلمة حين شاهد النور و النهر معا. كان النسيم نذيرا بانتهاء الشبكة المظلمة. شاهد لمعانا يضيء من عيني قطة كانت تتربص للفئران عند مصب الشبكة الى النهر، حيث هربت بعد ان شاهدت حتة خارجا منها.

 تنفس الصعداء شاكرا ربه راكضا بنفس واحد من المصب حتى النهر. فلم يثر حذاؤه اي صوت على الرمال الساحلية للنهر التي كانت لاتزال ساخنة. فقبل ان يدخلالمياه، جثا على الرمال، كالعابد الذي يسجد امام النهر و النجوم المتلألأة في السماء. نظر الى كل الجهات، مد قدميه، ثم انبطح محدقا في السماء الاهوازي الاحمر اللون كعادته. العطش كاد ان يقتله. النجوم كانت تتدلى من السماء كعناقيد البلورالشفافة و شفتاه تلامس قطرات المياء عند ذوبان كل نجمة. تخيل بانه لايوجد اي مكان في العالم نجومه كنجوم الاهواز بيضاء و شفافة. وهذا ما ادى بعبدة النجوم ان يسكنوا هنا بالقرب من النهر. فهُم عشاق المياه و النجوم. فلم يشاهد في ذلك الوقت من الليل شيئا الا ظلال النخيل على مياه النهر، الراقصة كالاشباح فوق امواجه.

 ” الاحذية تحول دون تحركي” قالها وقام حيث لامست قدماه المشققتان، الرمال الناعمة. فعند دخوله النهر و حتى اربعة او خمسة امتار لم يكن بحاجة للسباحة لكنه مارسها بعد ذلك مستخدما رجليه و كتفيه. فاليدان المكبلتان لم تساعداه الا القليل. كان سطح المياه حارا و تحته باردا مريحا لجسده. فعند التعب كان ينبطح على سطح المياء ليرتاح بعض الشيء ليستعد لمواصلة مكافحة الامواج. شعر في لحظة ما بالغرق، رافسا المياه بقدميه شاعرا بنهاية عمره. قال في قرارة نفسه بان هذا النهر الكبير، كارون العظيم، لم يكشف له اسراره بسهولة وكأنه يختبر قوته في مواجهة المحن. فقد نجا من الغرق بسعي وجهد كبير.

 كانت الاسماك النافقة في الجزيرة الواقعة في وسط النهر تملأ الليل  بروائحها الزفرة. فلم يسكن الجزيرة الا الافاعي و الضفادع و الكلاب و القطط الوحشية؛ فحتى المهربون الذين كانوا يختفون ليلا بين اشجارها  لم يستطيعوا المكوث على سواحلها دون سلاح.

 وطأت قدماه الجزيرة بهدوء واحتياط، فانبطح مسترخيا على ساحلها. لابد ان يرتاح لبعض الوقت. لم يبق من الليل الا الهزيع. كان المكان واسعا لكن الوقت ضيق

و الفرصة نادرة. فالضفة الاخرى لم تكن بعيدة في نظره.

” ساستعين بآخر ما لدي من قوة”. دخل المياه مرة اخرى؛ كان مرهقا؛ تذكراسماك القرش التي تبحث عن دماء الانسان بلهف. كان يخشى اسماك القرش اكثر من الغرق. فلما سبح شوطا، رأى – السيلو- صومعة الاهواز الكبيرة، شامخة واقفة على الضفة الاخرى للنهر تبشره بقرب محنته.

 وطأت قدماه الارض. فرك كوفيته، متلثما بها مرة اخرى. سار بخطوات سريعة من ازقة حي ” السيلو” ليصل الى اول شارع لحي النهضة. طرق باب احد البيوت؛ مرتين و ثلاث. فكان رنين قيوده التي تضرب بالباب الخشبي تكسر صمت الليل في  الاهواز.

–        من هو؟

–        افتح، انا صديق,

 ” من هو الذي ضل طريقه في هذا الوقت من الليل. هل هم المهربون الذين يحملون لنا الشاي والقماش من البصرة؟ او انه ابني عدنان الذي تأخر علينا الليلة من سهرته في كازينو الخيام”.

–        جئتك حالا.

 انفتح الباب بصرير هادئ. تفاجأ صاحب البيت: 

–        انت ابوشجاع!؟

–        اسكت وافتح الباب فقط.

 دخل حتة البيت و تصافح الصديقان بحرارة.

–        انت والقيود يا ابا شجاع!؟

 الدموع تلألأت في طرف عيني صاحب البيت. قال حتة بشغف وافر:

–        لاتسألني عن محنتي.

–        من هو الذي تمكن من وضع القيود في معصميك.

–        الزمان يا صاحبي!

 صحت زوجة صاحب البيت من نومها و بدأت بتحضير الشاي للضيف حتة. كما احضروا له دشداشة بيضاء و كوفية حمراء جديدتين. و عندما سحب صاحب البيت مسدسه من جيب دشداشته الكبير،  قال حتة:

–        المنشار اوجب من كل شي.

 ففي فترة تحضير المنشار الخاص بقص الحديد شرب حتة عشرة كؤوس شاي. ومن ثم  تم قص القيود بالمنشار. فتأوه حتة قائلا:

–        منحتموني الدنيا كلها.

 فرد عليه صاحب البيت بهيجان شديد:

–        ابوشجاع، انت ضيفنا؛ لو طلبت الروح سنهديك اياها.

–        اشكركم و لاازعجكم كثيرا، ارجو فقط ان تستأجروا لي سيارة قبل طلوع الشمس لاذهب الى  مدينتي ” الشوش” و سادفع الاجرة انا.

–        لاتحكي هذا الكلام يا اباشجاع، ما قيمة الاجرة؟

–        هذا هو رجائي.

 فقد تركوه ليغفو بضع دقائق ومن ثم ودع صاحب البيت و زوجته.

 كانت السيارة من طراز شفروليت ايمبالا تلتهم الطريق وهي عادة تستخدم في عمليات التهريب. في وسط الطريق طلب حتة من السائق ان يذهب الى قرية لم تبعد كثيرا عن الطريق الرئيسي.

 غادر حتة السيارة لكنه سرعان ما عاد ومعه شاجور مخبأ تحت دشداشته قائلا للسائق:

–        جيد لنذهب الان. لكن و قبل وصولنا مدينة الشوش يجب التوقف عند الفندق السياحي في بوابة المدينة.

–        حاضر، قال السائق.

 دخل حتة الفندق و سار باتجاه الصندوق. تفاجأ المدير مرتبكا عندما رأى حتة وبيده مسدس. قال متمتما:

–        ح.. تة انا في خدمتك؛ فالامر امرك؛ ارجو الاتقتلني.

–        لن اقتلك؛ اريد منك ثلاثة الاف تومان فقط.

 قال المدير وجسمه يرتعش:

–        حاضر.

 لكن الحذار من الصراخ؛ فانت تعرفني جيدا.

 استلم حتة المال و عاد الى السيارة قاصدا مدينته.

 اصبح حتة الان طليقا حرا، يصول و يجول في غابات الشوش من جهة و اهوار

و احراش الحويزة من جهة اخرى. فترة هنا وفترة اخرى هناك. فقد اكتملت مجموعته.

 في احد الايام خاطبه احد عناصر مجموعته مازحا:

–        كيف تستهدف الطيروهو طائر في الهواء ونحن لم نستطع فعل ذلك مهما حاولنا؛ ماهو السر قائدي حاتم! انني مهما حاولت يوم امس لم استطع استهداف طائر كان يطير في الغابة.

 ايده زميله:

–        يكمن السر هنا، في قتله لعشرين ضابطا و رجل امن.

 انفتحت اسارير وجه حتة باديا بانه يؤيد كلامهما:

–        انا واثق بانني سأقتل قاتلي بيدي. فعدوي اصبح ليس نظام السلطنة فقط، بل جميع القوات المسلحة الشاهنشاهية.

 لم يبرح الصف يبدأ اعماله حين نادى احد عناصر المجموعة القائد حاتم:

–        شخص ما، يريد لقاءك، جاء لتوه من الاهواز.

–         حدق حتة في سحنته المغبرة وعرفه بعد هنيهة. قاطع طريق، كان من عناصره قبل ان يتحول حتة نفسه من قاطع طريق الى سياسي ثوري. اختلى به متسائلا بعد المصافحة:

–        ماذا تفعل هنا؟

–        رغبت كثيرا للقائك.

–        هل تعرف كم حفنة من السنين ونحن لم نلتق. قل لي اين كنت و كيف وصلت الى هنا.

–        اذا تعدني بالا تقتلني سأشرح لك كل شيء.

–        لماذا اقتلك؟ انت ضيفنا.

–        في الحقيقة انني احمل رسالة لك.

–        رسالة؟ من أين؟

–        من المسؤولين الايرانيين الكبار.

–        المسؤولين الكبار!؟ ماذا يريد هؤلاء منا؟ فقد صادروا اراضينا و دمروا حياتنا؛ ماذا يريدون منا بعد كل ذلك؟ انت تعرف كيف يقمعوننا و يذلوننا و يحقروننا؛ فلا فرق بينهم و بين الاسرائيلين؛ فهم عنصريون حتى النخاع؛ حيث انني قررت ان احاربهم حتى النهاية.

–        هل تريد ان تصبح شيخ عشيرة؟

–        شيخ عشيرة ؟ اي عشيرة؟

–        شيخ قبيلة كعب و كنانة. فالمسؤولون الايرانيون مستعدون ان ينصبوك شيخا على عشائر مناطق الشوش و الفكة و دزفول.

–        جيد! من هو الذي ارسلك؟

–        محافظ الاهواز؛ وقوات الامن؛ الاستخبارات (السافاك) ايضا على علم بالموضوع؛ الاوامر جاءت من الشاه مباشرة.

 حتة لم يستغرب الامر ولربما كان يتوقعه. فبعد دقائق من الاستشارة مع رفاقه عاد ليقول للموفد:

–        اذهب و قل لهم باننا مستعدون لتسليم انفسنا للحكومة بعد اربعة ايام؛ هناك في المضيق البري بين المستنقع و الصحراء الرملية؛ تحت النخيل بالدقة؛ شريطة الا يكون معنا و معكم اي سلاح.

 كان ضربان قلبه يرتفع باقتراب موعد اللقاء. شعر بان قلبه ينتزع من داخل صدره

و يطير فوق الصحاري الرملية الحارة. لم تفصله من مكان المفاوضات مع موفدي الحكومة الايرانية الا عشرون دقيقة. كان يرى قلبه كباز وحشي جالسا فوق قمة “الله اكبر”.

 كان قلبه يهبط في الحدود بين المياه و الصحاري ليشفي غليله. اذ كان رفاقه قد شاهدوا هذا القلب البسيط الحميم السخي في هندام طويل ذو كتفين عريضين و عينين واسعتين خضراوين بلون مياه الهور.

 كان رفاق حتة ينقسمون الى مجموعتين: الاولى تتشكل من خمسة اشخاص وهم يرتدون الزي العسكري الكاكي، حيث كانوا يخبئون رشاشاتهم تحت قمصانهم، وهي من طراز كلاشينكوف صغيرة. كما كانت المجموعة الثانية تتشكل ايضا من خمسة اشخاص يختبئون في الاحراش القريبة من مكان المفاوضات. فقد قرر حتة بان تقوم المجموعة الثانية بدور مساند للمجموعة الاولى بعيدا عن عيون رجال الامن ولتتحرك وراءها من مجرى النهرالجاف في القرية كي تتمترس وراء السواتر الترابية الواقعة على ضفة النهر. وقد حدد حتة كلمة رمز لتكون مؤشرا لبدء اطلاق النار.

 انتظر حتة و رفاقه القائد العسكري للمنطقة النقيب خرم تحت ظلال النخيل. لكن بعد ساعة و بضع دقائق من انقضاء الموعد فوجئوا بمجيء قائد مخفر القرية و معه عشرة من المرافقين العسكريين.

–        اذن اين النقيب خرم؟

 كرروا السؤال مرتين و ثلاث. فكان الرد بانه لم يصل بعد من مدينة دزفول. فقد ساور الشك حتة. وسرعان ما جاءهم الطعام من مخفر القرية بعد ان جلسوا على الطاولة لتناول الغداء.

 طلب قائد المخفر من حتة تناول الطعام، لكنه رفض طالبا رجال الامن البدء في ذلك. فقد امتثلوا له.

 وبعيدا عن ذلك المكان، كان النقيب خرم و الضابط المساعد له و مختار القرية و موفد جهاز الاستخبارات (السافاك) ينتظرون حتة بفارغ الصبر.

 تساءل موفد السافاك الذي لم تفارق يده المسدس منذ مغادرته مدينة دزفول مرتبكا:

–        ماذا نفعل اذا كانوا مسلحين؟

–        لم يستطيعوا ان يحركوا ساكنا؛ فانني ساعتقل حتة و ساسلمه مكبلا الى الشاهنشاه؛ انني لم ارض حتى باغتياله بل يجب ان نقبض عليه حيا.

 لمس المختار الذي كان صامتا حتى تلك اللحظة لحيته البيضاء قائلا:

–                 صحيح اننا هنا غلمان للشاه في هذه المنطقة النائية لكننا يجب ان نعترف بان هناك سمعة واسعة و شعبية مرتفعة لحتة في اقليم الاهواز وذلك اثر تصديه لرجال الامن و العسكريين واغتيال العديد منهم؛ قبل ايام و عندما كنت في بيت صديقي في مدينة دزفول، سمعت صاحب البيت يخوف طفله المشاكس من حتة؛ ويقال ان العديد من العرب اطلقوا اسم حتة على اطفالهم في مدن الاهواز و الحويزة و بني طرف

و مناطق اخرى من المحافظة.

 فرد النقيب خرم مستهزئا:

–        هذه دعايات اعداء الوطن والشاه يا مختار. من هو حتة؟ انني مرغت انوف العديد من متمردي اقليم لورستان في التراب. فمن هو هذا العربي..

 قطع الختيار كلامه قائلا:

–        هيا انهم وصلوا فعلا.

 وقد تمترس عدد من رجال الامن الذين اتوا مبكرا على سطح المدرسة و اطرافها. كما تخندقت المجموعة الثانية من رفاق حتة في المكان المقرر بمسافة بضعة امتار من باب المدرسة. واخذ قائد المخفر يرافق حتة و رفاقه الاربعة. فعندما رأى حتة النقيب خرم عرفه حيث كان قبل اعوام سجانه في احد السجون. النقيب ايضا عرفه ومسك بيده اليسرى المسدس الذي كان بيده اليمنى و صافح حتة بحرارة.

 فقد اندهش رجال الامن عند رؤيتهم لهذه المصافحة و اخذوا يتهامسون فيما بينهم. كان النقيب خرم يمسك بمسدسه بكل قوة و يصر على حتة و رفاقه بالتقدم في الدخول الى المدرسة. كان المختار يلعب دور المترجم حيث كان حتة لم يعرف الفارسية.

 قال حتة:

 – ليس من الادب ان ندخل نحن قبل كبار حكومتنا.

 وكان الاصرار من النقيب خرم مرة اخرى:

 – انتم ضيوفنا، فارجوا ان تتفضلوا قبلنا.

 وقد نأى رفاق حتة بانفسهم بعض الشيء عند رؤيتهم لهذه المجاملات. اذ صاح حتة

و بصوت عال:

 – تفضلوا

 هذا كان مؤشرا لاطلاق النار من قبل رفاقه حيث تفاجأ الجميع. اذ تساقط المستقبلون كاوراق الشجر في الخريف. التحق حتة و رفاقه بالمجموعة المساندة بسرعة وهم  يتوارون وراء السواتر الترابية للنهر خارجين من القرية. كان ذلك صدمة لرجال الامن حيث لم يثمر اطلاقهم النيران شيئا. كان اسم حتة يذكرهم بكوابيس مريعة. اذ لم يتجرأوا الخروج من المدرسة.

 انتشر الخبر في كل انحاء ايران كالنار في الهشيم، ليصل الى مسامع الشاه محمدرضا البهلوي.

 فعام بعد عام كان حتة يألف الحياة اكثر فاكثر مع المياه و و الصحاري والنيران. كان يعرف الاهوار و الرمال و التلال في غرب الاهواز كمعرفته بكف يده. وكانت له حكايات سمر مع مرتفعات “المشداخ” و “الله اكبر” و احراش اهوار العظيم و الحويزة   حيث كان يهيم بناي الرعيان في الاماسي ويتعلم الابجدية في ضوء الفانوس الباهت. كما كان احيانا يركب حصانه الجميل السريع ليصل مسقط رأسه على اثر اجراس الماعز

و يعود آخر الليل بعد ان يزور اخوانه و يقبل امه العجوز.

 كان جالسا القرفصاء تلك الليلة، في نفس المكان الذي كان يستريح فيه بعد اي عمليات يقوم بها و آخرها كانت تلك التي ادت الى اغتيال النقيب خرم و مرافقيه. اراد ان يلف سيجارة حيث كان مضطربا لعمليات يوم غد. تمشى ومن ثم عاد الى مكانه وجلس. رأى ضفدعين يتغازلان في عتمة الليل بين القصب. امسك بعلبة التنباك و اشعل سيجارة. كان الليل يرسب كالزيت على الصحراء المحترقة من شمس النهار. فقد تذكر زوجته الاولى:” يا بنت عمي البائسة! تبا لذلك الزواج الاجباري. كم كان اصرار والدي لاتزوجها وانا في السادسة عشرة من عمري. كنت يافعا عندما قيدوني بها وهي تشبه العجائز حاليا. لكن فوزية انت من عالم آخر:عيونك تشبه عيون الريم و وجهك ابيض جميل. كم كانت ايامنا حلوة! فلم يكن لشمس الجنوب اي اثر على هندامك الرشيق. اتمنى بالا تفهم بانني متزوج من تلك الجيفة”.

 كادت السيجارة ان تنتهي عندما شعر بصوت فوزية يدوي في اذنيه. كان ذلك قبل اربعة اشهر، عندما تشاجرت فوزية مع احدى نساء القرية وكأن الامر حدث يوم امس.

 – اذهبي من هنا يا مادام، اننا نعرفك جيدا.

 احمر وجه فوزية، فقالت:

 – ابناء القرية يعرفونني جميعا.

 – نعم يعرفونك و يعلمون..

 – قولي، اذا لم تخافي قولي ماتشاءين.

 – لاتجبريني ان احكي كل شيء.

 – انني نزيهة و لااخاف من كلام احد.

 – فاذا لم يعرفك احد فانني اعلم بان هناك علاقات بينك و بين حتة.

فقد اشقعر جلد فوزية حيث شعرت بتجمد الدماء في جسدها. فلم يعرف حتة نفسه كيف كان موجودا هناك و كيف شاهد ذلك المشهد الذي يشغل ذهنه حاليا. فقد تذكر بان المرأة تلك اقسمته بالرسول كي يعترف بانه يعرف تلك الفتاة ام ينفي ذلك.

 – والله و بالله لم اعرفها.

 – اُقسم بالامام الحسين ايضا بانك لم تعرفها.

 – اقسم بالامام الحسين بانني لم اعرفها ابدا.

 – انني لم اقتنع، لان الكثيرين من اهالي القرية شاهدوكم سويا. لكن اذا تقسم مرة اخرى ستزيد من ثقتي بكلامك.

 – لابأس.

 – اُقسم بالعباس بانك لم تعرفها.

 – اقسم بابوفاضل العباس بانني احب فوزية.

 فقد كادت الفتاة تذوب من الخجل؛ فلم تكن تعرف بان حتة يخشى العباس اكثر من الله والرسول.

 نام حتة في تلك الليلة ليصحو فجرا.

 – هيا يا رفاق علينا ان نذهب قبل طلوع الشمس الى مخفر” هفتبه” .

 كان صوته الرصين في زلال الفجر يتقاطع مع مياه الهور الزرقاء ليتحول الى امواج تنتشر في الاهوار. قال مرة اخرى:

 – انهضوا يارفاق كي نصل ” هفتبه” مساء. الوقت ملائم و الخطة هي مصادرة السلاح من المخفر.

 فقد وضعوا القوري المطلى بالدخان الاسود على الموقد و احضروا الفطور من القرية: الزبدة و خبز محليين.

 – توكلوا على الله لنذهب؛ اسرعوا.

 قالها حتة بتهكم.

 كانت المجموعة تضم ستة اشخاص؛ اثنان منهم كانا يسيران في آخر المجموعة. فقد انضم هرموش قبل ستة اشهر و هاشم – عم هرموش- قبل شهرين الى مجموعة حتة. كان حتة و شقيقه الاصغر في المقدمة و قيس و ناصر وهما من زملاء حتة القدماء في الوسط. فكانت المسافات بينهم تزيد و تقل؛ و نيران شمس الاهواز الحارقة تقذف بحممها على رؤوسهم دون رحمة، حيث اضطر الرجال ان يتلثموا بكوفياتهم؛ و لم يبق لهم عضو مكشوف امام الشمس الا عيونهم. لم تكن لديهم قطرة ماء حيث اخذ العطش ينهش باجسادهم. فقد تراءت لهم اشباح تشبه قطعان الماشية. فلما تقربوا منها سأل حتة الراعي عن بئر ماء. فدلهم الراعي على ذلك. فسأله حتة:

 – هل فيه ماء؟

 – نعم.

 – قابل للشرب؟

 – نعم، لكن الناس تقول ان رجال الامن قاموا بتسميم جميع الآبار في هذه المنطقة.

 – لماذا؟

 – لم اعرف، لكن يقال انهم يريدون اغتيال حتة.

 – من هو حتة؟

 – متمرد، قتل العديد من رجال الامن.

 حدق حتة في البئر؛ لم يكن عميقا حيث شاهد المياه فيه؛ فقد امعن اكثر؛ شاهد حشرات صغيرة تعوم على سطح الماء.

 – اشربوا من الماء؛ فانه ليس بمسموم.

 قالها حتة بحسم. حيث ارتووا جميعا و من ثم تابعوا طريقهم. اذ شاهدوا في منتصف الطريق فارسين يقتربان لهم وهما يحملان سجادتين مشدودتين على حصانيهما. عرف المهربون حتة.

 – سلام ابوشجاع.

 – عليكم السلام، الى أين ذاهبان؟

 – للعراق، لنبيع هاتين السجادتين.

 ساوره الشك : ” فهل اسمح لهم السير بحرية في هذه الصحراء القائضة حيث لااستبعد ان يوشيا بنا؛ واذا قررنا ان نراقبهما فعلينا ان نلغي العمليات”. لكنه اتخذ قراره النهائي:

 – قيدوا ايديهما و ارجلهما؛ وانتما قيس و ناصر عليكما ان تسيرا بسرعة قبلنا لتبلغا ختيارنا خضر ليقرر لنا ماذا نفعل بهما. فقد ركب الاثنان حصانيهما و سارا بسرعة الى مقر القيادة حيث سار الباقون وراءهم مشيا على الاقدام. فقد وصلت المجموعة عند غروب الشمس الى “الاهوار” حيث كان عليهم الانتظار حتى الفجر ليعود الفارسان من عند القائد خضر.

 كان حتة وكعادته يمسك بمسدسه بيده عند المشي بين الاحراش. كان مبهورا بغروب الشمس في الاهوار. كانت قطرات الدم تقطر من عيون الشمس عليها و تصبغها باللون الارجواني. شقيق حتة كان يحرس المكان و المهربان مقيدان جالسان، و هاشم

و هرموش يتهامسان في مسافة ليست بعيدة عن المكان. كان حتة يحدق في نهر المساء الجاري في مستنقع الليل و شقيقه منهك و متدثر في عباءته حيث كاد ان يغفو من شدة التعب.

 فجأة ارتفع صوت الرصاص محطما سكوت الليل. فقد اصابت زخات الرصاص شقيق حتة واردته قتيلا. وقد وسع هرموش من دائرة سلاحه، لكن حتة و كأنه لم ينو ان يموت.

 ” انني سأقتل قاتلي بيدي”؛ فقد برقت العبارة هذه بسرعة على بال هرموش حيث رجفت يداه و سقط الكلاشينكف منهما على الارض. فلم يستهدفه حتة الا برصاصة واحدة. فانتهز هاشم الفرصة لكسب الجائزة المقررة لرأس حتة، غيرعابه بعمه المضرج بالدماء.

 فعندما عاد الموفدان فجرا الى المكان شاهدا ستين رصاصة مغروسة في جسم حتة.

            

جديد الموقع

Going to White House was a great honour until


Pros Cons of Instant Replay in Sports By Crai


Most paid sites will provide an array of info


I do believe that he spent a lot of days at f


Finally, the routine is put together and prac


فيسبوك

تويتر

ألبوم الصور