لماذا يكتفي الأدباء العرب بمعرفة الشيرازي من الأدب الإيراني

يوسف عزيزي

( 1 )

كانت الفكرة ومنذ سنوات تراودني كي اكتب عن الأدب الفارسي الحديث، حيث كانت مضمرة في اللاوعي تبرز حينا الى السطح عندما أقابل أديبا أو شاعرا عربيا وأساله عن مدي اطلاعه علي هذا الأدب واغلبهم ـ للأسف ـ لم يعرفوا عنه شيئا بتاتا.

وقد التقيت في جولاتي العديدة في العواصم العربية ـ من مسقط الى القاهرة ومن بغداد الى طرابلس ـ بكثير من المفكرين والأدباء العرب، وحين كنت اطرح عليهم سؤالي (ماذا تعرفون عن الأدب الإيراني الحديث) كان رد معظمهم: كل ما نعرفه عن الأدب الفارسي هو سعدي الشيرازي وحافظ الشيرازي والخيام.

 ولما كنت أشاهد في هذه الرحلات، الشاهنامه تطبع في الكويت وديوان (حدائق الزهور) لسعدي الشيرازي يتلألأ في واجهة احدي فنادق ليبيا أو رواية (كليدر) لصديقي الروائي البارز محمود دولت آبادي علي رفوف مكتبات القاهرة كنت أيقن ان الحدود السياسية الحاقدة والمصطنعة لم تستطع ان تمنع ـ وبرغم أسياجها الشائكة والمكهربة ـ انتقال الفكر والفن والأدب لأنها من جنس النور ولا يمكن لأية حدود وثغور ان تغلق الطريق في وجه النور الى الأبد. وسأتطرق الى سبب الانحسار في التبادل الفكري والأدبي بين الشعبين الجارين ـ العرب والإيرانيين ـ في القرن المنصرم، مع أنني أرى الترجمة للكتب الأدبية والفكرية من العربية الى الفارسية أكثر من العكس ولو أنها أيضا ليست في المستوي المطلوب.

 حضور الأبجدية العربية

 ازدهرت اللغة الفارسية وترعرعت في أحضان الأبجدية العربية بعد الفتح الإسلامي لإيران وقدمت شعراء ومتصوفين ومفكرين عظاما، خلافا لما قبل الإسلام حيث لم تقدم اللغة البهلوية ـ وهي لغة البلاط عند الأكاسرة ـ أي اسم بارز في مختلف مجالات المعروفة وخاصة الشعر والأدب، وكل ما وصل إلينا هو أشعار فولكلورية توصف بالفهلويات.ويبدوان اللغة البهلوية كانت لغة ركيكة وضعيفة لم تنتج أدبا أو ثقافة رفيعة وهذا ما يعترف به العديد من المؤرخين الإيرانيين. ويمكن ان نقارن تأثير اللغة العربية علي اللغة الفارسية بتأثير اللغة الرومانية علي اللغة اللاتينية. والدارس للأدب الفارسي يعرف مدي تأثر شعراء فرس عظام كالرومي والخيام وسعدي وحافظ الشيرازيين وناصر خسرو والعطار والجامي والآخرين بالقرآن والشعر الجاهلي والأموي والعباسي. إذ يذكر المؤرخون الإيرانيون ان بعض قصائد سعدي هي انتحال وترجمة حرفية لبعض قصائد ابوالطيب المتنبي. حتى فردوسي ورغم عنصريته وتجنبه استخدام المفردات العربية لم يتمكن من الاستغناء عن اللغة العربية حيث شكلت مفرداتها نحو30 في المائة من مفردات ملحمة الشاهنامه.

 ومنذ القرن الثامن الهجري)14م(أي منذ عهد حافظ الشيرازي ولأسباب تاريخية شهد الأدب الفارسي انحدارا ـ بل وانحطاطا ـ لم ينج منه الا في الآونة الأخيرة.

أولى إرهاصات الأدب الحديث

 يعتبر مؤرخو الأدب الفارسي كتاب) منشآت (قائم مقام الفراهاني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، خطوة أولى لتحديث النثر الفارسي والانتقال من فترة الانحطاط، حيث كانت لغة الشعر والنثر، مزخرفة مغلقة غامضة ومحشوة بشكل ممل بالكثير من المفردات العربية. وكان قائم مقام يحتل منصب مستشار البلاد في عهد الشاه ناصر الدين القاجاري.

وقد منحت ثورة الدستور الشعبية)1906-1908 (اندفاعا جديدا لحركة التحديث في جميع المجالات الفكرية والسياسية والأدبية في إيران.

 ولم يتعد التجديد في شعر هذه الفترة، المضمون حيث ظهر شعراء يتمتعون بلغة سياسية صريحة ومثيرة تقرب أشعارهم من الشعار السياسي بسبب المناخ الثوري السائد آنذاك حيث تذكرنا بقصائد محمد مهدي الجواهري. ومن هؤلاء الشعراء ميرزاده عشقي) الذي قتل علي يد أزلام الشاه رضا البهلوي عام 1925 ولاهوتي وعارف القزويني وفرخي يزدي الذي تم تخييط فمه في سجون الشاه رضا البهلوي بسبب قصائده المحرضة ضد الشاه ). كما دمج الشاعر والأمير القاجاري أيرج ميرزا الغزل والحب المجازي بقدح أبناء زمانه من سياسيين وغيرهم. وهناك الشاعرة بروين اعتصام وقصائدها العاطفية ذات الصبغة الانسانية والمشحونة بالنصائح والحكايات. ولا ننسي الشاعرة والداعية قرة العين التي قتلت بإغراق جسمها في التيزاب بسبب دورها في ترويج البهائية في عهد الشاه ناصر الدين القاجاري.

 التجديد في الشعر والرواية

بدأت حركة التجديد في الشعر الفارسي بعد ان تعرف الإيرانيون علي الشعر الأوروبي الحديث حيث تأثر الشعراء الإيرانيون بالشاعر البريطاني التحديثي تي اس اليوت وخاصة رائعته (ارض اليباب) ومن ثم بالشعراء الفرنسيين أمثال بودلير ومالارميه ورامبو.

 ويعتر نيما يوشيج ـ وهو من شمال إيران ـ اول شاعر إيراني قام بكسر أوزان العروض القديمة للشعر الفارسي الكلاسيكي والقائم أساسا علي أوزان الخليل بن احمد الفراهيدي. فقد نشر نيما) المتوفي عام 1959 (اول قصيدة له في سياق ما سمي في ما بعد بالشعر الحديث (شعر نو) معنونة بكلمة (افسانه) وهي ذات دلالة مزدوجة بالفارسية تعني (الأسطورة) وأيضا اسم فتاة أحبها الشاعر. ويمكن ان نقارن نيما يوشيج ومحاولاته الجادة للتجديد في الشعر الفارسي والذي لقبه النقاد ب (أبي الشعر الفارسي الحديث) بجهود بدر شاكر السياب الذي يعتبره كثير من النقاد العرب اول شاعر قام بتحديث الشعر العربي. ولم يخرج أي من الشعراء الفرس من هيمنة نيما يوشيج التحديثية حيث اهتدوا علي خطاه مدة مديدة ما عدا الشاعر احمد شاملو(المتوفي عام 2000 في طهران) .وقد اختبر احمد شاملو الشعر الحر وأيضا قصيدة النثر في مسيرته الفنية التي دامت خمسة عقود.

وقد صدر ديوان (افسانه) للشاعر الإيراني نيما يوشيج في عام 1925 فيما صدرت باكورة أعمال الشاعر العراقي بدر شاكر السياب في الأربعينيات من القرن المنصرم، غير ان العرب كانوا سباقين في الرواية.

 فقد نشر الكاتب المصري محمد حسنين هيكل رواية (زينب) كأول رواية عربية بالمفهوم الفني الحديث في عام 1913 في القاهرة فيما صدرت رواية )البومة العمياء) للكاتب صادق هدايت كأول رواية فارسية فنية حديثة في الهند عام 1933 بسبب منع الرقابة التابعة لحكومة الشاه رضا البهلوي من نشرها في إيران، غير أنها طبعت مرارا بعد سقوطه وهي لا تزال تطبع حيث تعتبر أهم رواية ـ فنيا ـ كتبت حتى الآن باللغة الفارسية وذلك بالرغم من صغر حجمها وصدور روايات عدة بعدها. لذا يري فيها العديد من النقاد حدثا أدبيا مهما في تاريخ الأدب الإيراني المعاصر. وقد ترجمت البومة العمياء أي (بوف كور) بالفارسية الى لغات حية عدة في العالم منها اللغة العربية. ونشاهد اسمها مرارا علي قائمة منشورات دور النشر العربية. ولا يعتبر بعض النقاد، البومة العمياء ـ الذي أثرت علي الأجيال المتعاقبة من الكتاب الإيرانيين ـ رواية بل يؤكدون بأنها قصة طويلة إذ قورنت بروايات أخري لروائيين إيرانيين وعالميين.

ونشر هدايت ـ الذي انتحر في عام 1951 في باريس ـ قصصا قصيرة عدة وثمة روايات أخري منها (حجي آغا) و(وفي القبر حيا) و(الكلب السائب) و(بروين بنت ساسان) و(مازيار) وبحوث حول الأدب والفلكلور الفارسيين مثل (أغاني خيام) وترجمات من فرانز كافكا. وكان هدايت متشائما في طبعه وقوميا فارسيا في فكره وسرياليا في أهم آثاره.

فهذا الناشئ من أوساط طبقة النجباء الإيرانيين، مزج تلك الخصال الثلاث في رائعته الفنية )البومة العمياء)، غير ان الرواية ـ وبرغم فنيتها ـ لا تتخلص نهائيا عن إيديولوجيته ونظرته القومية المتشددة. ونشاهد نظرته المعادية للسامية وخاصة العرب والإسلام بشكلها الجلي في قصصه وبحوثه وتراجمه عن الكتاب الأوروبيين. وسوف اشرح هذا الموضوع في مقال آخر مستقبلا ان شاء الله وتحت عنوان (معاداة العرب في الأدب الإيراني المعاصر). وقد رسم هدايت في قصصه ورواياته، الطبقة الوسطي الإيرانية ولاسيما في العاصمة طهران ودقق في سلوك الشريحة التقليدية من تجار البازار والبورجوازية الصغيرة الحديثة.

 لا يمكن ان نتطرق الى القصة الفارسية الحديثة من دون ان نذكر اسم الكاتب محمد علي جمال زاده) المتوفي عام 1998 (وهو اول إيراني جدد في الكتابة القصة القصيرة الفارسية وذلك في مجال اللغة والنثر والشكل والمضمون حيث أخذت تتميز عن الحكاية والمقامة التي كانت سائدة في الأدب الفارسي القديم. وكانت مجموعته القصصية (فارسي شكر است) أي (الفارسية، سكر) الصادرة في مستهل القرن الماضي اول مجموعة تكتب علي سياق القصة القصيرة الأوروبية وهو في ذلك ـ أي في كتابة القصة القصيرة ـ سبق صادق هدايت بسنوات.

 كما نشير هنا الى الروائي بزرك علوي الذي عاصر 3 عهود) الشاه وأبيه رضا شاه والجمهورية وتوفي عام 1996 (حيث دشن بروايته (53 سجينا) أدب السجون في تاريخ إيران المعاصر.كان علوي عضوا في اللجنة المركزية لحزب تودة الشيوعي في الفترة من 1941 ـ 1995 ، وقد سجن قبل ذلك، أي في الثلاثينيات من القرن المنصرم ، هو وعدد من زعماء الحركة الشيوعية الأوائل في معتقلات رضا شاه البهلوي، حيث أصبحت فترة الاعتقال التي دامت 5 سنوات مادة خصبة لروايتيه (53 سجينا) و(عيونها).

وتحتوي الرواية الأخيرة علي قصة حب بين كمال الملك احد الكبار الرسامين الإيرانيين المعارضين لرضا شاه وامرأة ذات عيون سوداء واسعة.

الجيل الثاني من الروائيين والشعراء

انبثق هذا الجيل من وسط دخان الدبابات والمدرعات التابعة للانقلابيين الذين أطاحوا حكومة مصدق الوطنية لصالح الشاه السابق وبدعم من القوي الأجنبية. وقد اشتهر هذا الجيل باسم (جيل الهزيمة) والمقصود هزيمة القوي الوطنية والديمقراطية أمام بطش قوات الشاه محمد رضا بهلوي وحلفائه الاستعماريين. وقد مثل الشعراء احمد شاملو ومهدي أخوان ثالث) توفي عام 1990 (هذه الهزيمة خير تمثيل في قصائدهم حيث امتلأت دواوين أخوان ثالث بالدموع واليأس وخيبة الأمل بالنسبة لأي تغيير سياسي واجتماعي في إيران. فيما حاول شاملو وخاصة في أشعاره السياسية ان يبقي علي جذوة الأمل مشتعلة في قلوب المناضلين والمثقفين. إذ كان السجناء السياسيون في عهد الشاه يترنمون بأشعاره في الزنازين وفي ساحات الإعدام. وقد تطور شعر شاملو فنيا في العقدين الأخيرين حدا يمكن مقارنته بشعر الشاعر العربي ادونيس. احمد شاملو شاعرا يساريا منفتحا ومتحررا من أية اعتقادات قومية شوفينية وذلك علي عكس مهدي أخوان ثالث الذي كان يحقد علي العرب ويتباهي بعنتريات الماضي الإيراني السحيق.

 وكانت فروغ فرخ زاد اول شاعرة إيرانية تتمرد علي الهيمنة الذكورية في مجتمع شرقي تقليدي كإيران، حيث تحدثت في قصائدها وشعرها الحديث عن المحرمات بين الرجل والمرأة وهذا ما نراه في دواوينها الأولى التي صدرت في الخمسينيات. وقد تطور خطابها الشعري في حقبة الستينيات واتجه اتجاها فلسفيا اجتماعيا غير أنها توفيت في حادث سيارة عام 1968 وعمرها 37 عاما وهي في عز عطائها الشعري. فالمدقق في قصائد الشاعرة السورية غادة السمان يري قواسم مشتركة كبيرة بينها وبين فروغ فرخ زاد، ويبدو ان هذا التشابه أدى بالقارئ الإيراني ان يستقبل بلهفة دواوين غادة سمان المترجمة الى الفارسية والتي صدرت خلال السنوات العشر الماضية.

لا يمكن ان نتحدث عن هذا الجيل ولا نذكر أسماء اخري كالشاعر والناقد والروائي رضا براهني وهو تركي إيراني ناضل ضد التمييز القومي في أدبه ونشاطه الثقافي وسجن في عهد الشاه والجمهورية الإسلامية. ويشغل براهني حاليا رئاسة اتحاد كتاب كندا بعد ان غادر إيران عام 1996 وفي ذروة قمع الكتاب والمثقفين من قبل الأجهزة الأمنية في عهد الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني.

 كما وهناك الشاعر والناقد الخراساني محمد رضا شفيعي كدكني وقصائدها الثورية والغزلية، غير ان آثار كدكني الأخيرة أخذت تبتعد عن الثورية حيث أصبحت شخصيته تشابه شخصية الناقد العربي إحسان عباس الذي يكن له كدكني احتراما خاصا. وقد ترجم شفيعي كدكني الذي يتقن اللغة العربية وتربطه صداقات مع ادونيس وبلند الحيدري والبياتي ـ قبل وفاتهما ـ ترجم من البياتي الى الفارسية وكتب عن الشعر العربي الحديث كتابا ومقالات. فهو بطبعه وثقافته محب للعرب وأدبهم. ويعتبر شفيعي كدكني حاليا أهم شاعر فارسي علي الساحة الإيرانية بعد ان غيب الموت شعراء كبارا كأحمد شاملو وسهراب سبهري.

 يذكر ان الخطاب الشعري ـ الثوري والسياسي ـ لأحمد شاملو وشفيعي كدكني وسعيد سلطانبور احتل حيزا مهما من الخطاب الثوري الذي مهد للثورة في عام 1979 ضد نظام الشاه السابق.

 المدرسة الواقعية في الأدب الفارسي

 مهدت الظروف الكفاحية ضد الشاه، الخلفية لأدب ثوري ملتزم ومتحدي للنظام ومتعاطف مع الجماهير حيث كان يأخذ أحيانا حالات شعبوية وشعارية بعيدة عن طبيعة الأدب. واحتل الشعر الثوري ـ وبعضه كان ذا قيمة أدبية لا بأس بها ـ والرواية الواقعية النقدية حيزا مهما من الأدب الفارسي خلال الحرب الباردة.

 وقد ترجمت الى الفارسية روايات عدة من جنس الواقعية الاشتراكية خاصة من الكتاب الروس مثل مكسيم غوركي وميخائيل شولوخوف وغير الروس مثل جاك لندن ـ الأمريكي ـ ورومان رولان الفرنساوي. لكن والي جانب ذلك كانت هناك أيضا ترجمات لدستوفسكي وتولستوي والرواية الغربية الممثلة بلزاك وفلوبير وموباسان ومارك توين وهمينجوي وسارتر وبكيت  ويونسكو وآخرين. كما ترجم الشعر الفلسطيني في هذه الفترة لاحتوائه علي المضامين النضالية والإنسانية.

وأبرز الروائيين الواقعيين هم احمد محمود وهو أهوازي غير عربي ادخل بعض الشخصيات العربية الاهوازية في رواياته. وقد توفي احمد محمود في العام 2002 بطهران. كما لعب جلال آل احمد وغلام حسين ساعدي وصمد بهرنجي في الخمسينيات والستينيات دورا مهما في الأدب القصصي الفارسي.

 فجلال آل احمد وعلاوة علي كتاباته السياسية والفكرية نشر روايات عدة يمكن ان نعتبرها روايات واقعية نقدية مثل (مدير المدرسة) و(ضغينة الأرض). وكان آل احمد مدافعا عن القضايا العربية والإسلامية، لذا لم يعره القوميون الفرس الاهتمام اللازم بالرغم من نثره الفني الفاخر والرائع وتأثيره علي جيل الكتاب والباحثين من بعده. وكان ساعدي ـ وهو تركي من أذربيجان ـ يسبر النفس الانسانية في قصصه ومسرحياته ويصور القرويين والبسطاء من أبناء المجتمع الإيراني. كما يصور الابتذال في عهد الشاه واضطهاد أجهزته الأمنية للمثقفين. وقد انشأ صمد بهرنجي وهو كاتب للأطفال بالدرجة الأولى، مدرسة خاصة به سيما وانه كان يعتني بلغة أمه أي اللغة التركية الاذرية ويطالب بتعليمها للأطفال. وقد ترجمت رائعته (السمكة الصغيرة السوداء) الى لغات عدة. وقد كانت أثار صمد بهرنجي والكاتب العباداني نسيم خاكسار المترجمة الى العربية تدرس في المخيمات الفلسطينية لما تحويه من روح فنية ونضالية. وقد توفي صمد بهرنجي عام 1967 وآل احمد عام 1969 وساعدي عام 1985.

الابتعاد عن الواقعية

قد يبدو صعبا ان نصنف الروائيين احمد محمود وهوشانج غولشيري ومحمود دولت آبادي في خانة الجيل الثاني تماما حيث من الأفضل ان نقول أنهم همزة وصل بين الجيل الثاني والثالث.

 وقد كان للثورة الإيرانية ومن ثم انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة تأثير ملحوظ علي الأدب الفارسي أدى الى ابتعاده عن الواقعية رويدا رويدا. وبانهيار المعسكر الاشتراكي انهارت المدرسة الواقعية الاشتراكية وانحسرت الواقعية النقدية في إيران.

فقد ابتعد الروائي محمود دولت آبادي عن الواقعية النقدية وولج عوالم ومجالات اخري متأثرا بالمدارس الغربية الحديثة مثل تيار الوعي والواقعية السحرية وما شابه ذلك. وقد ترجمت رائعته الروائية المطولة (كليدر) الى لغات عدة ومنها العربية في مصر وعلي يد المترجم الراحل دسوقي شتا. ويعتبر دولت آبادي آخر عمالقة الجيل الثاني واهم كاتب روائي في إيران حاليا وهو عضو مؤسس في اتحاد الكتاب الإيرانيين.

 ويمكن مقارنة محمود دولت آبادي وتحوله في مجال تقنية العمل الروائي بتحولات نجيب محفوظ حيث انطلق إميل زولا العرب ـ كما يصفه ادوارد سعيد ـ بثلاثيته الواقعية المطولة حتى وصل الى أنماط أدبية اخري وتقنيات وأساليب جديدة في الرواية (ثرثرة فوق النيل) و(الحرافيش). لكن ومع وجود كل وجوه الشبه القائمة يبقي فن نجيب محفوظ الروائي اعلي من نظيره الإيراني محمود دولت آبادي. ويحلو للبعض هنا في إيران ان يقارن بين صادق هدايت ونجيب محفوظ وهو عمل ليس في مكانه لأنه لا يمكن ان تقارن بين تفاحة ورمانة. فالتفاح يقارن مع جنسه والرمان أيضا مع جنسه. ولكن إذا نظرنا الى غزارة الإنتاج والتجديد في الشكل والمضمون وفقا للتراث وإذا أخذنا الحكمية الأدبية العالمية بعين الاعتبار والتي تتمثل هنا بجائزة نوبل لا يمكن الا ان نري نجيب محفوظ في ذروة الإبداع الروائي في الشرق الأوسط بل وفي العالم الثالث.

وللأسف فان هناك ضيق أفق قومي نشهده بين الفرس في إيران حيث وبدل ان يفرح أدباؤهم بفوز روائي عربي ـ شرقي مثل نجيب محفوظ بجائزة نوبل أبدي البعض منهم استياءه، حيث سمعت كلاما لا يليق بهم وباعتباري مترجما لبعض أثاره. وجرى مثل هذا الكلام علي لسان الشاعر الراحل احمد شاملو والروائي احمد محمود مقللين من شأن عميد الرواية العربية. واللافت للنظر أنهم لم يقرأوا شيئا كثيرا من نجيب محفوظ لأنه لم تتم ترجمة معظم أثاره الروائية الى الفارسية واقتصر الأمر علي ترجمة بعض قصصه وروايتي (اللص والكلاب) و(يوم قتل الزعيم).

 ويختلف هوشانج غولشيري ـ الذي توفي عام 2001 ـ في أسلوبه عن دولت آبادي واحمد محمود. وقد كان قاسيا في نقده لكتابات هؤلاء الاثنين متهما إياهما بالسرديين الواقعيين ولا يعتبر غير نفسه روائيا بالمعني الفني للكلمة.

 وبالعكس لا يري العديد من النقاد في غولشيري روائيا بل كاتبا قصصيا له قصص جيدة فنيا وابرز آثاره، رواية (الأميرة احتجاب) وهي رواية قصيرة تعتمد أسلوب تيار الوعي وتتحدث عن حياة البذخ في بلاط القاجار والانحطاط التدريجي لهذه العائلة التي حكمت إيران في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. كما ان لغولشيري تقنيات وتكتيكات سردية خاصة به وهو يتقن لغة فارسية رصينة تتطابق مع مضامين قصصه ورواياته. وتشوب أفكار هوشانج غولشيري شوائب قومية متعصبة خاصة بالنسبة للعرب وهذا ما نراه في بعض مقالاته وقصصه، خاصة في قصة (الفتح علي طريقة الموغ)، لكنه كافح في كل لحظات حياته الرقابة الأدبية في إيران وسعي من اجل إرساء أسس اتحاد الكتاب الإيرانيين.

 جريدة (الزمان)

العدد 1587

2003 – 7 – 19

 ( 2 )

 الجيل الثالث من الأدباء الإيرانيين نَبذَ العنف وخطاب الايدولوجيا

كانت الفكرة ومنذ سنوات تراودني كي اكتب عن الأدب الفارسي الحديث، حيث كانت مضمرة في اللاوعي تبرز حينا الى السطح عندما أقابل أديبا أشاعرا عربيا وأساله عن مدي اطلاعه علي هذا الأدب واغلبهم ـ للأسف ـ لم يعرفوا عنه شيئا بتاتا.

 وقد التقيت في جولاتي العديدة في العواصم العربية ـ من مسقط الى القاهرة ومن بغداد الى طرابلس ـ بكثير من المفكرين والأدباء العرب، وحين كنت اطرح عليهم سؤالي (ماذا تعرفون عن الأدب الإيراني الحديث) كان رد معظمهم: كل ما نعرفه عن الأدب الفارسي هو سعدي الشيرازي وحافظ الشيرازي والخيام.

 ولما كنت أشاهد في هذه الرحلات، الشاهنامه تطبع في الكويت وديوان )حدائق الزهور(لسعدي الشيرازي يتلألأ في واجهة احدي فنادق ليبيا أو رواية (كليدر) لصديقي الروائي البارز محمود دولت آبادي علي رفوف مكتبات القاهرة كنت أيقن ان الحدود السياسية الحاقدة والمصطنعة لم تستطع ان تمنع ـ وبرغم أسياجها الشائكة والمكهربة ـ انتقال الفكر والفن والأدب لأنها من جنس النور ولا يمكن لأية حدود وثغور ان تغلق الطريق في وجه النور الى الأبد. وسأتطرق الى سبب الانحسار في التبادل الفكري والأدبي بين الشعبين الجارين ـ العرب والإيرانيين ـ في القرن المنصرم ، مع أنني أرى الترجمة للكتب الأدبية والفكرية من العربية إلي الفارسية أكثر من العكس ولو أنها أيضا ليست في المستوي المطلوب.

 الثورة والحرب والأدب

 شهدت إيران وخلال من عامين حادثين عظيمين هزا أركان المجتمع الإيراني برمته، وذلك بعد فترة دامت 40 عاما لم يشهد الإيرانيون خلالها أي حرب أو تحول عنيف في حياتهم العادية. وحتى الحرب العالمية الثانية لم تمس حياة غالبية الناس قياسا بالحرب العراقية ـ الإيرانية.

 وفضلا عن التأثير السلبي لهذين الحادثين علي الاقتصاد والحياة المعيشية للجماهير الإيرانية كان للثورة والحرب تأثير خاص علي سيكولوجية المواطن الإيراني كفرد والعقلية الإيرانية وكشعب وجماهير. فالثورة وقعت في مجتمع لم يتوقع أحدا ـ حتى سنة قبل وقوعها ـ أنها ستكون دينية وإسلامية. مع العلم بان طهران وبعض المدن الكبرى كانت تعيش حياة أشبه بحياة العواصم والمدن الغربية.

 فقد أثارت الحرب العراقية ـ الإيرانية أحقادا تاريخية كانت دفينة قبل ذلك في نفوس الإيرانيين وخاصة الفرس منهم، سيما وان الخطاب الحربي للنظام العراقي كان يؤكد العنعنات القومية فيما كان الخطاب الرسمي الإيراني يؤكد الإسلامية. وقد استغل القوميون الفرس من سياسيين وكتاب ومثقفين هذا الأمر ليكون ذريعة للكشف عن ضغانئهم القديمة تجاه العرب. وهذا ما رأيناه في بعض البحوث التاريخية والثقافية والقصص خاصة عند الكتاب الفرس القوميين المنفيين في الخارج. وكتاب شجاع الدين شفا ـ السيناتور الإيراني والمستشار الثقافي للشاه قبل الثورة ـ الصادر في خارج إيران خير دليل علي ذلك. والكتاب يرسم صورة قاتمة للعرب واللغة العربية والإسلام في إيران منذ الفتح الإسلامي وحتى الآن. وهذا ما نراه في أثار العديد من الباحثين والكتاب الإيرانيين أبرزهم عبد الحسين زرين كوب وعلي مير فطروس. ولكن هذا لا يعني انه لم توجد أصوات إيرانية منصفة في هذا المجال، وها هو المؤرخ والباحث الفارسي الإيراني ناصر بوربيرار الذي اخذ يقلب، بدراساته العميقة، التاريخ الإيراني رأسا علي عقب. لكن ومع الأسف فان الأغلبية ليست لمثل هذه الأصوات وان النظرة الاستعلائية المتجذرة تاريخيا في الوعي واللاوعي الفارسيين تضخمت بعد الحرب العراقية ـ الإيرانية حيث توجد حاجة ماسة لدراسات وأثار ثقافية وتاريخية وأدبية جادة لإزالة آثارها وتداعياتها ليس من الإيرانيين فحسب بل من العرب أيضا.

 وقد صورت السينما الإيرانية الحرب أكثر من الرواية. لأنه وكما يعرف الباحثون لا يمكن للرواية الإيرانية ان تقترب من هذا الحدث الا بعد ان تمضي سنوات عدة عليه ويصبح تاريخا. كما ان هناك عاملا آخر اثر سلبا في إقبال الكتاب الإيرانيين علي كتابة الرواية الحربية كما كتبها مثلا تولستوي في رائعته (الحرب والسلم) اوارنست همينغوي في رواياته التي كتبها حول الحرب الأهلية في اسبانيا.

 ويرجع هذا العامل الى سوء معاملة السلطة الإسلامية للكتاب والروائيين ومعظمهم من أصحاب الرأي الآخر حيث لم تسمح لهم بالاقتراب من جبهات القتال لعدم ثقتها بهم. وبذلك حرمتهم من مادة خصبة كان يمكن ان يتم توظيفها لكتابة الرواية الحربية باللغة الفارسية.

 كما ان الثورة الإيرانية لم تأخذ نصيبها أيضا من الكتابة الأدبية الا القليل تجسد بشكل بعض القصص القصيرة. وفي مجال الشعر هناك قصيدة مشهورة لأحمد شاملو باسم (يشمون قلبك) ينتقد فيها ولأسلوب فني رهيف أداء حراس الثورة ومسؤوليها في معاملتهم للحريات الفردية للناس.

 وفي الحقيقة ان السلطة الإسلامية أنشأت عند قيامها مؤسسات رسمية للكتاب الذين يتبعون أيديولوجيتها مثلما فعل الاتحاد السوفيتي سابقا وقد بذلت جهودا مضنية في هذا المجال غير ان معظمها باء بالفشل. ومن أهم هذه المؤسسات مؤسسة الحوزة الفنية ـ سازمان حوزة هنري ـ التي جمعت ومنذ قيام الثورة السينمائيين والقصصيين والفنانين الدينيين. فالأفلام والروايات والقصص التي كتبها هؤلاء حول الثورة والحرب كانت تفتقد للمواصفات الفنية وتحتوي علي الإيديولوجية الثر من الفن. وقد استمرت العملية علي هذا المنوال حتى انتهاء الحرب ومن ثم مجيء خاتمي الى السلطة. فقد انضمت الحوزة الفنية ـ حوزة هنري ـ بعد ذلك الى التيار الإصلاحي وأخذت تنتج أفلاما سينمائية فنية رائعة.

 وقد أخذت السلطة الثورية ومنظروها لفترة عقدين من الزمن تروج لنظرية (الأدب الإسلامي)غير ان النظرية لم تر النور فعلا وعملا وانتهت بالرغم من الجهود الذي بذلت في هذا المجال. وفد تخلت السلطة عن مقولة (الأدب الإسلامي) كما تخلت عن مقولات اخري (الاقتصاد الإسلامي).

 وعلاوة علي الأدب الرسمي ظهرت روايتان حول الحرب الإيرانية ـ العراقية لكاتبين علمانيين هما (ثريا في الاغما) لإسماعيل فصيح و(الأرض المحروقة) لأحمد محمود غير ان هذا العملين أيضا ليسا بالمستوي المطلوب كي يضيفا شيئا لأدب الحرب علي المستوي العالمي بل الإقليمي.كما كتب الكاتب والمترجم مهدي سحابي روايته (ليالي طهران) تطرق فيها الى الفترة التي كانت فيها الصواريخ العراقية تدك العاصمة الإيرانية وتفتك بالمدنيين. ناهيك عن رواية لجواد مجابي في هذا الشأن وهي رواية تعبيرية وليست واقعية.

ويبدو ان كل ما أبدع في مجال الحرب باللغة الفارسية حتى الآن هو متوسط أو ردئ وسننتظر ما يفاجئنا به المستقبل ان كان هناك شيء ما.

 الجيل الثالث وأدب الحروب

الجيل الثالث يضم شعراء وروائيين ولدوا في خضم الثورة ومخضرمين عاصروا قسم من عهد الشاه وعهد الثورة والجمهورية المستمرة حتى الآن.

 فقد تحدثنا آنفا عن زلزالين عظيمين هزا المجتمع الإيراني خلال فترة قصيرة : الثورة والحرب الإيرانية ـ العراقية. فكانت الصدمة عنيفة جدا غيرت الكثير من العادات والنفسيات وأساليب الحياة، خاصة وان الثورة جاءت بأيديولوجية دينية والحرب كانت ضروسا دامية دامت 8 سنوات. ضف الى ذلك خيبة الأمل التي أصابت المثقفين الذين كانوا يعلقون آمالا على الثورة التي انتظروها طويلا وناضلوا من اجلها في سجون الشاه أو في حروب الشوارع أو في الجامعات.

 وكانت أحداث صيف 1981 لمثابة رصاصة رحمة قضت علي كل الطموحات حيث وقعت صدامات مسلحة بين قسم من المعارضة السياسية والسلطة الإسلامية الوليدة أسفرت عن احتقان الأجواء السياسية والثقافية راح ضحيتها العديد من الجانبين بينهم ثمة شعراء وكتاب معارضين أبرزهم الشاعر والمسرحي سعيد سلطانبور الذي اعدم في حزيران) يونيو (من ذلك العام. وساد إيران جوا يماثل الحرب الأهلية حيث كانت الإعدامات الجماعية والصدامات المسلحة في الشوارع جزءا من حياة الإيرانيين اليومية.

وقد ظهر في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات خطاب أدبي علي الساحة الإيرانية تزامن مع ذروة الحرب العراقية ـ الإيرانية وبوادر انهيار المعسكر الاشتراكي.

وقد مثل هذا التيار كتاب وشعراء من الجيل الثالث قاموا بنبذ العنف والخطابات الأيديولوجية من كل نوع اشتراكية كانت أو إسلامية واللجوء الى العرفان والتصوف وخاصة الى الديوان الشاعر الصوفي المتوفي في القرن السابع الهجري جلال الدين الرومي) المولوي .

فقد سادت أجواء عرفانية هاربة من العنف والثورة والحرب والأيديولوجية وكل أنواع الالتزام السياسي والاجتماعي في الأدب والذي كان سائدا علي عقول الكتاب طيلة 4 عقود من تاريخ الأدب الإيراني المعاصر.

وقد أصبح سهراب سبهري هو الشاعر المفضل لدي أصحاب هذه النحلة الأدبية خاصة وان سبهري ـ المتوفي عام 1980 ـ كان يركز علي العرفان البوذي أكثر من العرفان الإسلامي والإيراني القديم. وقد طبعت دواوين سبهري بآلاف النسخ ودخلت البيوت الإيرانية من جنوبها الى شمالها ومن شرقها الى غربها.

وفي هذه الفترة تمت ترجمة (الزمن الضائع) للكاتب الفرنسي مارسيل بروست وروايات من توماس مان وجيمز جويس. وقد صدرت رواية (الجبل السحري) لتوماس مان بحذف نحو40 صفحة من قبل الرقابة في عهد رفسنجاني ولم تسمح وزارة الإرشاد الإيرانية حتى الساعة بطبع رواية جيمس جويس (عوليس) وذلك بسبب رفض الناشر لحذف أقسام منها. وقد اختفت روايات كانت توزع بالآلاف كرواية (الأم) لمكسيم غوركي وكتب اخري تحسب علي المدرسة الواقعية الاشتراكية.

 وقد تخطت مبيعات دواوين سهراب سبهري حتى أثار شعراء لهم ماضيهم الأدبي والنضالي العريق كأحمد شاملو وشفيعي كدكني غير ان هذه الأجواء انحسرت رويدا رويدا عقب انتهاء الحرب وبدا نقاش حاد في الأوساط الأدبية والفكرية حول الهوية والمجتمع المدني وضرورة الإصلاح ونبذ العنف والثورات وصل ذروته في آيار) مايو(1997 عندما صرخت الجماهير الإيرانية ب (لا) كبيرة للذين اختاروا من أنفسهم أوصياء علي الشعب الإيراني وثقافته وسياسته واعني رجال الدين والفقهاء. حيث تم انتخاب رجل الثقافة والفكر محمد خاتمي رئيسا للجمهورية الإسلامية في الفترة الأولى ولهذا الأمر ـ أي انتخاب رجل فكر وثقافة ـ دلالته تنبع مما ذكرناه من تحولات أدبية وفكرية وقعت في إيران بعد الثورة والحرب.

الآن وبعد ان تخطينا أدب الحروب أصبحت التيارات الأدبية والفكرية الفارسية تتعايش جنبا الى الجنب، حيث تشكل حاليا الواقعية السحرية هاجسا لبعض الروائيين من الجيل الثالث وتحتل حيزا مهما من الروايات المترجمة لأدب أمريكا اللاتينية من أمثال غارسيا ماركيز وبابلو كوئيلو وفؤينتس.وكما هناك فسحة كبيرة للشعر المترجم وسيما الغزلي منه كدواوين ناظم حكمت ولوركا وادونيس ونزار قباني وغادة السمان.ويبدو ان الشعر العربي الحديث أكثر ترجمة للفارسية من الرواية، لأننا لا نشاهد ترجمة فارسية لثلاثية نجيب محفوظ أو سائر رواياته العديدة. بل وكما ذكرنا قد تم ترجمة بعض رواياته القصيرة كيوم قتل الزعيم واللص والكلاب وبعض قصصه القصيرة. كما سبق وترجم لطه حسين وتوفيق الحكيم وغسان الكنفاني والبياتي ومحمود درويش وثمة قصائد وروايات لعبد الرحمان المنيف ونازك الملائكة والفيتوري وسميح القاسم والآخرون.

 اتحاد الكتاب الإيرانيين ومعاركه من اجل حرية التعبير

عقد الكتاب والشعراء الإيرانيون اول مؤتمر لهم في عام 1947 حضره كبار الروائيين والشعراء والكتاب آنذاك منهم نيما يوشيج وصادق هدايت وملك الشعراء بهار وبرويز ناتل خانلري وعبد الحسين نوشين وإحسان طبري وسعيد نفيسي.

غير ان الظروف السياسية ورحيل العديد من هؤلاء الكتاب لم تسمح باستمرار العمل الجماعي لهم، حتى قام الكاتب المناضل جلال آل احمد وعدد من الشعراء والكتاب الإيرانيين في عام 1967 بإنشاء اتحاد الكتاب الإيرانيين) كانون نويسندكان إيران (احتجاجا علي انتهاك حقوق الإنسان في عهد الشاه السابق وسياساته القمعية والرقابة المشددة على أثار الأدباء الإيرانيين ومن اجل حرية التعبير دون قيد أو استثناء.

ودخل بعضهم سجون الشاه من اجل تحقيق هذا الشعار مثل م.ا به آذين وفريدون تنكابني وبهرام بيضائي. وقد ظل هذا الشعار نبراسا وهدفا ناضل من اجله الجيل الثاني والثالث من أعضاء اتحاد الكتاب حيث قدم في مسيرته الطويلة شهداء علي قربان الحرية مثل الشاعر محمد مختاري والكاتب والمترجم محمد جعفر بوياندة الذين اغتيلوا علي يد عناصر من قوات الأمن يديرها نائب وزارة الاستخبارات السابق سعيد إمامي في خريف 1998 وقد طالت الاغتيالات سياسيين معارضين حيث هزت الضمير الإيراني من إقصاء الى إقصاء.

وقد فرض الاتحاد ـ الذي يضم الكتاب والشعراء الإيرانيين ومعظمهم من العلمانيين ـ نفسه واستقلال عمله علي الحكومة الإيرانية حيث ومنذ أكثر من عامين يقيم اجتماعاته بصورة علنية. فكاتب هذه السطور وعدد من كتاب وشعراء القوميات غير الفارسية أيضا ينتمون الى هذا الاتحاد وهم يطالبون بان يهتم الاتحاد بثقافة سائر الشعوب الإيرانية ولا يحصرها بالفرس.

فإذا قرنا اتحاد الكتاب الإيرانيين بنظائره من اتحادات الكتاب في العالم العربي لا نري مثيلا له في استقلالية الرأي والمثابرة والتضحية من اجل حرية التعبير والاهم من ذلك عدم تبعيته للحكومات ـ ملكية كانت أو جمهورية ـ بل ومكافحة الرقابة الحكومية علي الإبداع الأدبي. فلا أرى نظيرا له في الدول العربية وجميعها مرتبطة أو تابعة للأنظمة ما عدي اتحاد الكتاب اللبناني وبدرجة اقل اتحاد الكتاب المغربي.

 ماذا حدث للأدب الفارسي في عهد خاتمي؟

 وكي لا أكون متكلم وحده في الحديث حول الأدب الفارسي المعاصر طرحت سؤالا (ماذا حدث للأدب الفارسي في عهد خاتمي) علي 3 من ابرز وجوه الشعر والأدب الفارسي راهنا وهم زملائي في اتحاد الكتاب الإيرانيين، سيد علي صالحي وهو من قومية اللور البختيارية ينشد الشعر باللغة الفارسية وله عدة دواوين وثمة روايات.

صالحي ومنذ انتخابات الجمعية العامة في ديسمبر الماضي أصبح عضوا في هيئة أمناء اتحاد الكتاب الإيرانيين.

وقال سيد علي ردا علي السؤال: (تتمتع روح الكتابة باعتبارها فنا منفردا وباطنيا جدا يمكن إنتاجها في كافة الظروف، تتمتع بموقع خاص حيث تستطيع ان تواصل عملها الإبداعي في المجتمع المغلق) السجن (والمجتمع الحر، سيما الشعر الذي لا يتقبل أية قيود أو سلاسل. الحكومات يمكن ان ترشد كل شيئ لكنها لا يمكن ان ترشد ما يجري في أذهاننا الخفية. لا يمكن الرقابة علي الرؤى والأحلام والشعر هو علم الذهن وعلم الأحلام.

 فهم يستطيعون ان يفرضوا الرقابة علي الكلمة وهيئتها الصورية لكن (المعاني) لها حضور سحابي وسيال وقابل للتعميم والتغيير في أي حالة، حيث تهرب من أي مقص. فشعر أبي نواس الاهوازي السرمدي والمنقطع النظير في عهد العباسيين أو قصائد نزار قباني في عصرنا وبين الأمة العربية هما خير نموذج في هذا المجال. فهكذا شعر حافظ الشيرازي أو قصائد احمد شاملو وجيلنا نحن في الوقت الراهن والذي لا يزال ينتفض خوفاً من البطش أو القمع.

 وبعد استعراضه لدور الشعر عند الفردوسي وخيام وحافظ الشيرازي يقول صالحي :(إننا نري كل وصايا غاندي وجمال عبد الناصر كتوائم للشعر، لان منشأ الشعر هو العقل القومي التاريخي للشعوب).

وحول تأثير الثاني من جوزاء) 23 مايو(1997 ـ أي انتخاب خاتمي ـ علي الأدب الإيراني يقول سيد علي صالحي : (ان 23 مايو أسس لتيار مؤثر وتاريخي فرض نفسه علي زمانه بواسطة إرادة الشعب القوية وهو استفتاء تام لا يمكن إنكاره حيث يشهد حاليا فترته الأولى بصعود وهبوط وضعف وقوة، فأحيانا يسير في حلقة مغلقة وأحيانا في فسحة مفتوحة وخطوة بعد خطوة وهذا مطلب شعبي جدا تسنده إرادة وطنية لها مطالبها) الماضية (لتسفر عن الإصلاحات في) المستقبل.

 في الحقيقة حركة 23 مايو حدت من مقص الحكومة لكن كانت لها تداعيات مرة أسفرت عن رقابات من نوع آخر، فعلي سبيل المثال هناك رقابة اقتصادية ورقابة نفسية ترتبط بثقافة المطالعة. فالعوز والفقر بشكل عام وغلاء سعر الكتاب أدى الى نوع من الرقابة الاقتصادية والانكماش في سوق الكتب، كما وان الرقابة النفسية أدت بقراء الكتاب ـ ولو مؤقتا ـ الى الابتعاد عن الكتب وكسب الأذى من الأخبار السياسية ومتابعة الأحداث اليومية.

 وإما الروائي علي اشرف درويشيان وهوكردي أصله من مدينة كرمانشاه له عدة روايات ومجموعات قصصية وبحوث حول الفلكلور الإيراني بالفارسية طبعت عدة مرات. فاخر كتاب له في مجال الفلكلور هو(أساطير الشعوب الإيرانية) في 10 مجلدات والتي تضم حكايات شعبية وأساطير لكل القوميات الإيرانية من فرس وترك وكرد وعرب وتركمان.

 يتحدث درويشيان في مقال كتبه لنا تحت عنوان) الأدب القصصي في الفترة 1979 ـ 2002 (يتحدث عن (الانفجار الذي في النشر الصحف والكتب الممنوعة عقب سقوط الشاه في 1979 والتي كان يصرها أصحاب الرأي الآخر والأفكار المختلفة).

ويقول علي اشرف درويشيان : (انه ومنذ مطلع عام 1981 بدأت العناصر الرجعية هجومها علي المكتبات ومكاتب الصحف والمجلات حيث داهم رجال الأمن في مايو1981 مكتب اتحاد الكتاب الإيرانيين في طهران وعاثوا في وثائقه وأوراقه وأزالوها من الوجود.)

 ولا يري درويشيان في الأعوام الثلاثة الأولى للثورة) 1979 ـ 1981 (أي اثر يذكر بسبب هيمنة الأجواء السياسية الثورية، وفي استعراضه لأدب الحرب يقول : (ان المجتمع الإيراني وبفعل الحرب سار في مسار آخر لأنه استوعب الحادث بكل طاقاته.

وفي الفترة الثمانينات رسم الكتاب وبشكل رئيسي أحداث الحرب لكن بآراء موافقة وأحيانا معارضة. فالكتاب الدينيون كتبوا لصالح الحرب. وقد سادت الرقابة عقب السنوات الثلاث الأولى بعد الثورة حيث لم يتنفس الأدب القصصي الصعداء كما لابد ان يكون.

 جريدة (الزمان)

العدد 1588

2003 – 8 – 20

( 3 )

 نظرة الى الشعر الفارسي الحديث

نشاهد في عهد الشاه رضا البهلوي الذي يبدأ من العام 1921 ويستمر حتى العام 194 شعراء مخضرمين واكبوا ثورة الدستور وأدركوا عهد الشاه رضا البهلوي أيضا، منهم فرخي اليزدي وملك الشعراء بهار وابوالقاسم اللاهوتي. كما ظهر شعراء جدد مثل نيما يوشيج ورشيد ياسمي وصورتكر ومسعود فرزاد ورعدي آذرخشي والسيدة بروين اعتصامي.

 وقد جثم في هذه الفترة، حكما شموليا دكتاتوريا تمثل بحكم الفرد الواحد هو حكم الشاه رضا البهلوي وظهر نوع من الإحباط تجاه فشل الثورة الدستورية في تحقيق أهدافها المتعلقة بالحرية والديمقراطية. وهذا هو الشاعر فرخي يزدي الذي خيط فمه في ما بعد رجال الأمن في أجهزة الشاه رضا البهلوي، بسبب قصائده الانتقادية والحادة ينشد قائلا:

 عد الى ما كنت يا عيدا! فلا مجال كي يقوم أصحاب العزاء بالمعايدة فان الأجواء المحتقنة والمعتمة سياسيا للمثقفين والأحرار في البلاد أدت ببعض الشعراء اليساريين كي يتحسروا علي ما يجري في جارتهم الشمالية روسيا والتي كان يحكمها الشيوعيون حيث انشد أبو القاسم اللاهوتي ــ والذي هاجر في نهاية المطاف مسقط رأسه إيران الى ارض السوفيت ــ قائلا:

 اشرب الكأس يا مقيم ارض السوفيت

في سرور مدينة لا يوجد فيها لا شاه ولا شيخا

نذكر ان اليوتوبيا السوفيتية والتي عرفت في الغرب بدولة الستار الحديدي، كانت قبلة آمال العديد من المثقفين الإيرانيين حتى قبل ان يظهر حزب توده الشيوعي في الأربعينات من القرن المنصرم. غير أنها انهارت بانهيار الاتحاد السوفيتي ولم يأسف عليها الا قلة من الشيوعيين الارثودكس.

 فقد أفل نجم القصيدة السياسية الانتقادية الخاصة بعهد الثورة في فترة الشاه رضا البهلوي وذلك بعد أفول النضال السياسي والاجتماعي المباشر والذي أدى في زمانه الى استقرار النظام الدستوري في إيران.

وقد اخذ النضال الاجتماعي في عهد الشاه رضا البهلوي، أشكالا معقدة وملتوية بسبب تعطيله للعديد من مواد الدستور. وقد مهد الهدوء والسكون في الساحة السياسية الى حراك ونشاط في الساحة الأدبية حيث بلغت المواجهة بين التراث والحداثة في الأدب الفارسي وخاصة في الشعر، مرحلة هامة. ومن المعروف في إيران وسائر بلدان العالم الثالث انه وعندما تسكت السياسة يتكلم الأدب.

 وقد ذكرنا في مقال سابق ان الحركات الاجتماعية والسياسية أبان ثورة الدستور أسفرت عن إدماج الأدب بالقضايا الملحة للمجتمع وهذا ما رأيناه في الشعر السياسي والثوري واستخدام المصطلحات العامية في الشعر وماشابه ذلك من أمور.

 مخاض ولادة الشعر الحر

بلغ المجتمع الإيراني في النصف الأول من القرن الماضي وبعد قرون من الصدامات والأحداث والحروب، بلغ مرحلة جديدة للتحول لم يشهدها من قبل.

 وفي مثل هذه الأجواء لم يتمكن الأدب الإيراني ان ينأي بنفسه عن هذه الأحداث الاجتماعية الهامة التي هزت الكيان الإيراني. فعليه وعقب الهدوء النسبي التي أعقب التطورات السياسية والاجتماعية، طرحت النخبة الأدبية في البلاد، قضية الشعر الفارسي علي بساط البحث وتساءلت: إلي أين يجب ان تسير الحركة الشعرية في إيران كي تلائم العلاقات الاجتماعية الجديدة؟ وسرعان ما ظهر موقفان في هذا المجال: الأول يبحث عن حداثة شعرية نوعية والثاني يعتقد باستمرار الشعر علي ما كان عليه قديما.

 وقد ولد الشعر الحر أو الشعر الحديث ــ شعر نو ــ كما وصف في إيران، ولد علي يد الشاعر نيما يوشيج؛ وهو من قرية (يوش) النائية في شمال إيران، حيث درس في العاصمة طهران وترعرع فيها لكنه ظل أمينا لبيئته الريفية والغابات والجبال التي قضي طفولته وأوائل شبابه فيها.

 وقد اخذ السجال يشتد بين الأدباء المؤيدين لاستمرار الشعر الفارسي الكلاسيكي والموالين للشعر الحديث. إذ كان هؤلاء الحداثيين علي علم بالموجة الشعرية الجديدة التي بدأت من فرنسا وانكلترا ووصلت الى تركيا والقوقاز فيما لم يطلع عليها الأدباء التقليديون أو غضوا الطرف عنها.

 ولم يستقر الشعر الحر في أذهان الإيرانيين المأنوسين عبر القرون مع الشعر الكلاسيكي الموزون والمقفى الا بعد سنوات طويلة من النقاشات والسجالات التي غطت الصحف الأدبية.

وفي أواسط عهد الشاه رضا البهلوي، تشتت أمر الشعراء المناضلين الذين لعبوا دورا أدبيا وتحريضيا أوان الثورة الدستورية؛ حيث كان عشقي قد قتل وفرخي اليزدي رزح في سجون الشاه رضا واللاهوتي هرب الى الاتحاد السوفيتي.

 وقد اقتفي الشعراء أسلوب التقية في الكلام وتحولت الصراحة في التعبير والقصيدة الثورية والانتقادية الى الكناية والإيهام الفني في القصيدة. إذ اتجه معظم الشعراء الى الانطوائية وحديث النفس وما الى ذلك من أساليب تقيهم من شر البوليس السري الملكي.

 وقد يصف بعض النقاد انبثاق الشعر الحر في إيران بمثابة ثورة في الشعر الفارسي حيث أخذت تؤثر علي الذوق الأدبي والفني في إيران. ومثلما نزع الشعر الحديث، الزي القديم عن جسده، اخذ أيضا يبتعد في المضمون من مضامين الشعر القديم. أي لا نري مثلا في شعر نيما يوشيج وممن تبعه شيء من الغزل والقصيدة العرفانية أو الصوفية التي كنا نقرأها في دواوين شعراء فرس عظام قدماء كحافظ الشيرازي ومولانا البلخي وعطار النيشابوري وسعدي الشيرازي. فحتى الشعر الملحمي قد تغير أيضا لما كان عليه في ديوان (الشاهنامه) للشاعر الملحمي الفردوسي الطوسي.

 وقد نري مثلا في الشعر الحر والعرفاني الذي ينشده سهراب سبهري (المتوفي 1980) مزيجا من العرفان البوذي الهندي والياباني وهو يختلف تمام الاختلاف عن العرفان الإسلامي الخاص بالعطار أو البلخي وهو عرفان له جذور في الفلسفة المانوية الإيرانية القديمة. أو ان قصائد سيافش كسرائي (المتوفي 1994) الملحمية لا تشابه أبدا ملحميات الفردوسي وذلك بالرغم من استخدامها لرموز اساطيرية فارسية قديمة كان فردوسي يستخدمها أيضا في ديوان الشاهنامه.

 جريدة (الزمان)

العدد 1539

2003 – 6 – 24 

نشرت جريدة الزمان هذه الدراسة نقلا عن مجلة “الزمان الجديد” الJami_Rose_Gardenصادرة في لندن

جديد الموقع

Going to White House was a great honour until


Pros Cons of Instant Replay in Sports By Crai


Most paid sites will provide an array of info


I do believe that he spent a lot of days at f


Finally, the routine is put together and prac


فيسبوك

تويتر

ألبوم الصور